مقالات
أخر الأخبار

لا ينهض وطن بلسانٍ يردد.. بل بعقلٍ يعمل وساعدٍ يُنجز.

لا ينهض وطن بلسانٍ يردد.. بل بعقلٍ يعمل وساعدٍ يُنجز.

بقلم: د. سامح فرج حموده

باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.

 

حين يتوقف الناس عن الفعل ويكتفون بالقول، تتجمد الأوطان في مكانها، وتذبل الأمم وهي تردد الشعارات التي لم تعد تحرك حجرًا ولا تُثمر ثمرًا. لقد أدرك العقلاء منذ فجر الإسلام أن العمل والعلم هما جناحا الأمة، لا يقوم لها بنيان بدونهما معًا. فالعلم نور، والعمل حركة، وإذا انفصل النور عن الحركة صرنا نرى ولا نصل، وإذا تحركنا بغير نور تهنا في الظلمات. وليس في كتاب الله شيء أعظم دلالة على تكامل العلم والعمل من قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:105]، فالأمر بالعمل سابق على النظر، والعمل هو البرهان الأوضح على الصدق، وهو الميزان الذي تُوزن به القيم.

لقد عاب الله على بني إسرائيل أنهم يقولون ما لا يفعلون، فقال سبحانه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة:44]، فدلّ على أن العلم إذا لم يُثمر عملًا، فهو وبالٌ على صاحبه، وأن العالم الذي لا يَعمل أشد خطرًا على أمته من الجاهل، لأنه يضلُّ ويُضل. قال الإمام ابن القيم: “العلم بلا عمل وبال، والعمل بلا علم ضلال، فلا تكن عالمًا لا يعمل، ولا عاملًا لا يعلم.”.

وفي المقابل، فإن العمل الذي لا يقوم على أساس من العلم هو نوع من العبث، وهو في حقيقته سعي لا غاية له، ومشقة لا ثمرة منها. وقد قيل: “كم من عاملٍ يعمل وهو لا يدري، ولو علم لارتعدت فرائصه!”، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: “كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلاً.”، فالعلم يهذب العمل، ويقوده، ويمنع صاحبه من الوقوع في الزلل، أما الجهل فيدفع إلى التهور والتقليد الأعمى والانغماس في أعمال لا تنفع، وربما تضر.

لقد جمع النبي ﷺ بين العلم والعمل حتى كان قرآناً يمشي على الأرض، وكان إذا قام من الليل حتى تتفطر قدماه، قيل له: “يا رسول الله، أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟” فقال: “أفلا أكون عبدًا شكورًا؟” [رواه البخاري]. ولم يكن ﷺ يُحدّث الناس فقط، بل كان يعمل معهم، يبني المسجد، ويحفر الخندق، ويُقوّي أيديهم ويُربّي عقولهم. فهل بعد هذا بيان؟

ولم يكن الصحابة رضوان الله عليهم يومًا ممن يفصلون بين العلم والعمل، بل كانت حياتهم كلها حركة على هدى، وفعلًا على بصيرة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تفقهوا قبل أن تسودوا.”، أي قبل أن تتصدروا وتقودوا، لأن من يعمل بلا علم يفسد أكثر مما يُصلح. وكان علي بن أبي طالب يقول: “هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.”، فالعلم لا يستقر في صدر من لا يُجريه على جوارحه.

وفي هذا الزمان الذي امتلأ بالمتعلمين، وقلّ فيه العاملون، نشهد انفصالًا خطيرًا بين القول والفعل، بين المعرفة والتنفيذ، بين القلم والمطرقة. ترى الخطب تملأ المنابر، والدروس تزدحم بها القنوات، والكتب تتكدّس فوق الرفوف، ثم تنظر فلا تجد أثرًا حقيقيًا في أرض الواقع، ولا تجد روحًا تنبض في جسد الأمة. وكأننا نحفظ الدين ولا نطبقه، ونعرف سُبل النهضة ثم نكسل عن السير فيها. لقد أصبح بعض المتعلمين عبئًا على المجتمعات، لأنهم لم يتجاوزوا الحفظ إلى الفهم، ولم يعبروا من الفهم إلى العمل.

وفي ذات الوقت، تجد من يعمل ويكدّ ويكدح، لكنه لا يعلم ما يصنع ولا لِمَ يصنعه، فيُهدر الجهد، ويعيد الخطأ، ويتعب دون أن ينتج. وقد قيل: “من عمل على غير علم، كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.”، وهنا يضيع العمر في إصلاح ما أفسده الجهل، وتدفع الأوطان فاتورة التخبط والارتجال.

إن الأوطان لا تبنى بالنيات الطيبة وحدها، ولا تنهض بمجرد الحماس، بل تقوم حين يلتقي العالم الذي يُرشد، بالعامل الذي يُجسد. تقوم حين يكون العلم هاديًا، والعمل شاهدًا. تقوم حين يتحول الفكر إلى مشروع، والمشروع إلى إنتاج، والإنتاج إلى نهضة متواصلة. ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله: “العلم علمان: علم باللسان فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب فذلك العلم النافع.”، ولا يكون نافعًا حتى يتحول إلى أثر في حياة الناس.

فيا من تعلّمت، اعمل بعلمك، فذاك مفتاح النجاة، ويا من تعمل، اطلب العلم الذي يُرشدك، فذاك طريق الثبات. ولا تكن كمن ضلّ في كلا الطريقين، فلا علمًا أتقن، ولا عملًا أتمّ، فتاه في الحياة وهو يحسب أنه يحسن صنعًا.

فما أحوجنا اليوم إلى أمةٍ تفكر وتنتج، تُحسن القول وتُتقن الفعل، تجعل من “اقرأ” منهجًا، ومن “وقل اعملوا” مبدأً، ومن النبي ﷺ قدوة، ومن السلف الصالح طريقًا، ومن العمل بالعلم شعارًا، ومن العلم من أجل العمل عنوانًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى