* حين تضيق الأوطان بأبنائها : ————————————-

بقلم الكاتب : عبد العزيز الطباخ
————– ———————–
… ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يشعر بالغربة فى وطنه .. يمشي فى شوارعه ، وطرقاته ، وأزقته التي نشأ فيها ، وجدران بيوته الطيبة ، وأبوابها ، ونوافذها القديمة ، والتي لم ينساها قط ، منذ طفولته ، بعد أن حفرتها يد الزمان في شغاف قلبه .. حيث عاش بين الوجوه التي تشبهه في الفكر ، والملامح ، واللغة ، والتاريخ ، تجمع بينهم الآمال ، والذكريات .. ثم يكتشف أن كل ذلك قد أضحي من الماضي .. فيجد أن شيئاً ما قد انكسر بداخله ، كسرا لا يجبره ، ولا يعوضه شيء .. لأن الشعور بالأمل فى الغد قد صار حلما بعيد المنال .. هنآ يبكي قلبه كما لم يبكي من قبل …
… فالمواطن لا يطلب من وطنه القصور ولا الثروات ، ولايحلم بأن يكون من أصحاب النفوذ والسلطان .. بل يريد لنفسه حياة حرة كريمة تحفظ له إنسانيته ، وعملا يضمن له ولأبنائه قوت يومهم ، ومستقبلاً يبعث في قلبه شيئاً من الطمأنينة .. يريد أن يشعر بآدميته .. يحس ، ويتألم ، يحب ، ويحلم بمستقبل مشرق .. ويشعر بأن تعبه لايضيع هباء ، وأن جهده ومعاناته يجدان مقابلاً عادلاً يحفظ له ولذويه كرامتهم .. وأن تشعر الدولة بما يثقل كاهله ، وتدرك حجم معاناته …
… ولكن المأساة : تبدأ حين يصبح العيش معركة يومية .. وحين يصير الوطن وطنا للإمتيازات والنخب لا وطنا للعدل .. وحين تدفن أحلام الفقراء في رماد اليأس ، وحين يستيقظ الإنسان كل يوم على وهم جديد ، وعبء جديد .. فيتمني لنفسه الموت ، ولا يجده .. حتي الموت ضن عليه بالخلاص والراحة ، وياليته لم يستيقظ .. لأن حياته تتحول كل يوم إلي ركام من اليأس ، وافتقاد الأمل في الإصلاح …
… إنها الغربة تحت سقف الوطن ، وسط دوامة من الضغوط الاقتصادية ، والنفسية ، والإجتماعية .. عندئذ لن يجد لنفسه متنفساً ليتساءل : كيف أحقق أحلامي ، فتلك رفاهية لا يصل إليها خياله .. بل ينقلب التساؤل إلي : كيف أعبر ذلك اليوم دون أن تهدر كرامتي أو أتعرض لذل السؤال ، أو مهانة الإ قتراض لسداد ديون وفواتير لا حصر لها من الإنفاق على نفسه وذويه من أبناء أو أب مسن ، و من سداد أجرة المسكن إلي سداد فواتير الغاز ، والكهرباء ، والمياه ، والدواء ، وأسعار المواصلات التي توحشت ، وفواتير أخري لا حصر لها ، وبأرقام فلكية .. وكيف يمكن أن يمضي يوم واحد دون أن تنكد علينا حكومتنا أو تعكر صفو يومنا .. سنوات ونحن علي هذا الحال …
… ويزداد الألم حين يزداد التفاوت الصارخ بين فئات المجتمع .. فبينما يكافح الكثيرين لتأمين ضرورات الحياة ، نجد قله تستحوذ على خيرات الوطن تعيش في عالم مختلف تماماً عن واقع الأغلبية المطحونة .. عالم تتدفق فيه الأموال بلا حدود ، وبلا حسيب ، أو رقيب ، وكأنهم أبناء وطن آخر لا ندري عنه شيئاً ، لا يعرفون الأزمات التي يعيش فيها غيرهم ، ولا يحاسبهم أحد من أين لك هذا ، الفقير فقط هو الحيطة المايلة التي تتكيء عليها حكوماتنا .. وأكثر ما يوجع الفقير أن يري حكومته لا تري سوي جيوب الفقراء لتمويل عجزها وفشل سياساتها .. والأشد إيلاما أن يتكرر هذا الأمر عشرات المرات ، في وقت ينفق فيه أغنياء البلد وبعض فئاته الملايين لشراء الشقق الفاخرة والفيلات ، والسهرات ، وحفلات مطربين يتشبهون بالنساء في ملابسهم وحركاتهم وتصرفاتهم …
… ثم نعود للحديث عن ( الأسرة ) أهم ركن في أركان أي مجتمع ، والأساس الذي تشيد عليه بنيان الدول .. إن الأسرة : هي الحصن الأخير الذي يلجأ إليه الإنسان حين تضيق عليه دنياه .. فأي خلل يصيبها ينعكس على المجتمع بأكمله .. لذلك : فإن القوانين والسياسات المتعلقة بالأسرة يجب أن تبني علي أسس علمية ، وعدالة توازن بين جميع أطرافها فى الحقوق والواجبات ـــ طبقا لشرع الله ــ وتعاليمه السمحاء .. وتراعي فيه حقوق جميع الأطراف دون تحيز .. فكلهم أبناء وأحباب .. فلآ يجب أبدا أن نترك لفئة ضالة ، من بين أعضائها ـــ إن لم يكن أغلبهم ـــ فئة نسوية معقدة ، فاشلة ، ممولة من جهات أجنبية لتخريب العلاقات الأسرية ، بقصد هدم الوطن من الداخل بإشغال أبنائه ، وإفسادهم ، وبث الفرقة بينهم .. وكل ذلك علي مرأى ومسمع من الجميع .. وكأن وطننا قد صار مباحا لكل من هب ودب ، وأنه قد خلي من العلماء ، والمفكرين .. ولم يجد سوي الفاشلات يحددن مصير أبنائه .. فاستقرار الواسطة… حين يعاقب المتفوق ويكافأ القريب. في المجتمعات التي تعطى فيها المناصب على العلاقات الشخصية والولاءات السياسية أكثر مما تعطى على الكفاءة، يفقد التعليم جزءاً كبيراً من معناه الرمزي والاجتماعي. فالشاب الذي يقضي سنوات طويلة في التحصيل العلمي والتدريب واكتساب الخبرات يفعل ذلك انطلاقاً من إيمان ضمني بأن الجهد سيكافأ والاستحقاق سيعترف به. غير أن هذا الإيمان يتعرض للاهتزاز حين يكتشف أن بعض المناصب لا تمنح للأكثر تأهيلاً، بل للأكثر قرباً من دوائر النفوذ والعلاقات. وعند هذه النقطة، لا تصبح الواسطة مجرد وسيلة لتسهيل الإجراءات، بل تتحول إلى آلية اجتماعية تعيد توزيع الفرص على أساس الانتماء والقرابة بدلاً من الجدارة والاستحقاق.
وحسب علم النفس، تترك هذه الممارسات آثاراً عميقة على الأفراد، لأنها تزرع شعوراً بالظلم والعجز وفقدان السيطرة على المستقبل. فحين يرى الإنسان أن جهده لا يساوي شيئاً أمام علاقة شخصية أو رابطة قرابة، يتراجع دافعه للإنجاز ويضعف إيمانه بقيمة العمل الجاد. ومع مرور الوقت، ينشأ ما يمكن وصفه بالاغتراب النفسي تجاه المؤسسات العامة، حيث يشعر الأفراد بأنهم غرباء داخل منظومة لا تقيسهم بقدراتهم الحقيقية. والأسوأ من ذلك أن بعض الشباب لا يتعلمون من هذه التجربة أهمية الكفاءة، بل يتعلمون أهمية البحث عن الوسيط المناسب، فتتحول الثقافة الاجتماعية تدريجياً من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة الوصولية.
أما حسب علم الاجتماع، فإن انتشار الواسطة والمحسوبية لا يمثل خللاً إدارياً فحسب، بل يعكس أزمة بنيوية في مفهوم العدالة الاجتماعية. فالمجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تفتح المجال أمام الكفاءات بصرف النظر عن أصولها وعلاقاتها، بينما تميل المجتمعات المتعثرة إلى حصر الفرص داخل شبكات ضيقة من المصالح والولاءات. وعندما يصبح القرب من مراكز النفوذ أهم من المؤهل العلمي، تتآكل الثقة بالمؤسسات وتهدر الطاقات البشرية ويدفع أصحاب الكفاءة إلى التهميش أو الهجرة أو الانسحاب من المجال العام. وهكذا لا تخسر هذه المجتمعات أفراداً فحسب، بل تخسر أهم مورد تمتلكه، فالإنسان المؤهل القادر على البناء والتطوير. لذلك فإن العدالة ليست شعاراً أخلاقياً فحسب، بل شرطاً ضرورياً لإنتاج مجتمع يؤمن أفراده بأن الجدارة هي الطريق إلى التقدم، لا القرابة ولا النفوذ ولا القدرة على الالتفاف على قواعد الاستحقاق.
خلاصة القول، إن السلطة التي تضع أصحاب العلاقات والولاءات فوق أصحاب الكفاءات لا تظلم الأفراد فحسب، بل تعلن حرباً صامتة على مستقبل مجتمعها، لأن الأمم لا تسقط حين يغيب الموهوبون، بل حين يمنعون من الوصول ويترك القرار في أيدي من لم يصلوا إلا بالمحسوبية.
وأعتقد جازماً أن أخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال العام، بل سرقة الفرص من مستحقيها، لأن المال يمكن تعويضه، أما العقول التي تقصى والكفاءات التي تحبط، فهي خسارة يدفع المجتمع ثمنها لأجيال طويلة. دمتم بخير أصدقائي
د. حسام الدين فياض ليس لمصلحة فئة معينة ، بل هو مصلحة وطن بأسره .. فحين تنهار الروابط الأسرية يدفع الجميع الثمن رجالاً ونساء وأطفالا …
… ورغم اليأس .. ورغم الألم الذي يعتصر قلوبنا : ـــ
—————————————–
* أقول ــ إن التاريخ يعلمنا أن الأوطان تمر بمراحل قوة وضعف .. رخاء وشدة .. ظلم وعدل .. وأن الشعوب لا تقاس بحجم معاناتها ، بل بقدرتها علي النهوض بعد السقوط ، والتماسك بعد التفكك ، والعمل ، والإصلاح ، والتشبث بأهداب الأمل .. فاليأس لا يبني وطنا ، والغضب وحده لا يغير واقعاً .. أما الوعي ، والعمل ، والمساواة ، والعدل ، والكلمة الصادقة فهم السبيل لبناء وطن صالح حر .. والمهم هنا هو الإخلاص وليس الشعارات …
… وفي النهاية .. أقول : إن الوطن الحقيقي ليس مجرد أرض نعيش عليها ، بل هو شعور بالانتماء والكرامة والعدالة .. وحين يفقد الإنسان تلك المعاني يصبح الألم مضاعفا ، لأنه لن يخسر رفاهيته فقط ، بل يخسر جزءًا من طمأنينته ، وانسانيته …
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””




