مقالات
أخر الأخبار

حروب الدراما الخفية: كيف تُستخدم المسلسلات في تفكيك الهوية وصناعة الوعي الزائف؟”

“حروب الدراما الخفية: كيف تُستخدم المسلسلات في تفكيك الهوية وصناعة الوعي الزائف؟”

 

بقلم: د. سامح فرج حموده

 

في زمن تتغير فيه الخرائط بالدم والنار، هناك خرائط أخرى تُعاد رسمها داخل العقول، حيث يتم تفكيك الوعي وإعادة تشكيله دون أن يشعر صاحبه. لم يعد التأثير مقتصرًا على الجيوش أو القرارات السياسية، بل صار للدراما دور أكثر خطورة في هذه المعركة الطويلة. نحن أمام سلاح ناعم يتسلل عبر الشاشة، يفرض مفاهيم جديدة، يطمس أخرى، يُعيد بناء التاريخ على هوى صُنّاعه، ويجعل المشاهد يتقبل ذلك دون مقاومة، بل ربما يدافع عنه بحماسة.

 

المسلسل الذي تراه على أنه مجرد ترفيه قد يكون مشروعًا متكاملًا لإعادة صياغة وعيك. هناك من يرسم لك صورة ذهنية جديدة عن نفسك، عن وطنك، عن ماضيك، عن قيمك، حتى تصل إلى مرحلة ترى فيها كل ما يخصك ضعيفًا ومتخلفًا، بينما كل ما هو وافد يبدو أكثر تقدمًا وتحضرًا. إنهم لا يخبرونك بذلك صراحة، بل يزرعونه داخل القصة، في شكل الشخصيات، في طريقة حديثهم، في هيئة ملابسهم، في التفاصيل الصغيرة التي تتسلل إلى عقلك دون أن تنتبه.

 

في الدراما التاريخية، يتم انتقاء الأحداث بعناية، يسطع نجم شخصيات، ويُطفأ آخرون. يُعاد إنتاج الماضي وفقًا لرؤية جديدة، فتُبرَّأ شخصيات من أخطائها وتُدان شخصيات أخرى دون محاكمة عادلة. يتم تحميل التاريخ برسائل معاصرة، يُوظف الماضي ليبرر الحاضر، ويُعاد إنتاج صورة الوطن ليبدو مختلفًا عن الحقيقة التي يعرفها أبناؤه. يُصور البطل الوطني كشخص مرتبك، متردد، غير حاسم، بينما تُمنح الشخصيات الأخرى قوة وثقة وإصرارًا. عندما تتكرر هذه الصورة في عشرات الأعمال، يصبح المشاهد غير واثق مما كان يراه سابقًا حقيقة، يتبدل إحساسه بالانتماء، وتبدأ هويته في التآكل ببطء.

 

ليس التاريخ وحده ضحية هذه الحرب، بل حتى الحاضر يُعاد تشكيله بطريقة تخدم هذا الهدف. في المسلسلات الاجتماعية، هناك أنماط متكررة في تقديم الشخصيات: المثقف مهزوز، العالم ساخر منه الجميع، رجل الدين إما متشدد أو دجال، الفقير غبي وساذج، أما المتحرر فهو دائمًا الأذكى والأكثر ذكاءً. تتكرر هذه الصورة إلى أن تصبح أمرًا واقعًا داخل العقل الجمعي، يبدأ الناس في إعادة إنتاجها في الواقع، ويصبح الشخص الذي يخرج عن هذا القالب غريبًا، بل قد يُتهم بالرجعية أو التخلف.

 

الأخطر من ذلك هو تلك الرسائل التي تُبث عبر اللغة، عبر الحوارات التي تبدو عفوية ولكنها ليست كذلك. لماذا أصبحت اللهجات المحلية تُقدم في صورة ساخرة؟ لماذا يتم تهميش اللغات الرسمية أو تحريفها؟ كيف يتم تطبيع ألفاظ وسلوكيات كانت قبل سنوات مرفوضة أخلاقيًا واجتماعيًا؟ المشهد الذي يمر عليك سريعًا قد يحمل في طياته تحريفًا لقيم كاملة، ولكن لأنك تراها في قالب درامي جذاب، تمر دون مقاومة.

 

وراء كل هذا، هناك تمويل ضخم، هناك شركات إنتاج لا تعمل بمعزل عن التوجهات العامة لمن يملكونها أو يمولونها. هناك منصات عالمية تضع شروطها، تفرض معاييرها، تحدد الأولويات، حتى تصبح الأعمال الدرامية المنتجة محليًا متوافقة مع الأجندة المرسومة مسبقًا. ليس سرًا أن بعض الإنتاجات الكبرى لا يمكنها أن ترى النور دون موافقة جهات محددة، وليس سرًا أن بعض الأعمال يتم التضييق عليها أو منعها لأنها لا تخدم هذا التوجه.

 

هذا ليس مجرد استنتاج عشوائي، بل هو واقع تم تكريسه عبر عقود. عندما يتم استهداف التعليم، يتراجع الوعي النقدي، يصبح الناس أكثر قابلية للتلقي السلبي، أقل قدرة على التحليل، يستهلكون المحتوى دون مساءلة. وعندما تضعف الثقافة، تملأ الخرافة هذا الفراغ، تصبح الدراما مصدر المعرفة الوحيد، وتصبح الرسائل المغلفة داخلها حقائق مسلم بها. وحين يختل الإعلام، تتحول القضايا الكبرى إلى مجرد مشاهد سطحية، تُقدم الأزمة دون سياق، دون تفسير، دون دعوة للتفكير، بل أحيانًا دون حتى أن يُترك للمشاهد فرصة لاستخلاص استنتاجه الخاص.

 

قد تسأل: “وما الحل؟”، وربما تتوقع إجابة سهلة أو وصفة سحرية، لكن الحقيقة أن المواجهة هنا ليست بسيطة. إنها تبدأ بالوعي، بأن تدرك أن ما يُعرض عليك ليس بريئًا بالكامل، أن تشاهد بعين ناقدة، أن تتساءل عن الدوافع وراء ما يُقدم لك. تبدأ بأن تدرك أنك طرف في معركة لم يخبرك أحد أنك جزء منها. حين يصبح المشاهد واعيًا، حين يفهم كيف تُدار هذه اللعبة، يصبح أقل تأثرًا بها، يصبح قادرًا على مقاومة هذا التيار الجارف، وربما – في يوم ما – يصبح قادرًا على إنتاج محتوى بديل، ليس مجرد رد فعل، بل فعل حقيقي يعكس هويته الحقيقية دون تشويه أو تزييف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى