حين يصبح الموت عبئًا ثقيلًا
عادات خاطئة تحوِّل العزاء إلى استنزاف مادي واستعراض اجتماعي.

كتب الدكتور : سامح فرج حموده.
في القرى المصرية، لم يعد الموت مجرد لحظة فراق تفرض على أهل الفقيد الحزن والصبر، بل تحول في كثير من الأحيان إلى عبء ثقيل يتجاوز مشاعر الفقد، ليضعهم أمام اختبارات اجتماعية قاسية، محاطة بسياج من العادات والتقاليد التي تحوِّل العزاء إلى ساحة استعراض واستنزاف مادي لا مبرر له. لم يعد كافيًا أن يفقد الإنسان عزيزًا، بل عليه أيضًا أن يثبت للناس مدى مكانته الاجتماعية عبر إقامة سرادقات ضخمة، واستضافة مقرئين بأجور مرتفعة، وتقديم ولائم قد تكلّفه ما لا يطيق، وإلا تعرّض للانتقاد وربما التوبيخ الصريح من مجتمعه، في ظل ثقافة تحكمها المظاهر أكثر من المشاعر.
تبدأ القصة مع اللحظات الأولى لوفاة أي شخص، حيث تنتشر الأخبار بسرعة البرق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يتوقف الأمر عند إعلان الوفاة، بل يتعداه إلى توثيق الجنازة وتصوير الحشود التي جاءت لتشييع الميت، في مشهد أقرب إلى التفاخر بعدد الحضور، وكأن ذلك دليل على مكانة الفقيد أو عائلته. لم تسلم حتى مراسم الدفن من عدسات الهواتف، حيث يُبث بعضها على الهواء مباشرة، في انتهاك واضح لخصوصية الموت ولحرمة الموقف، بينما يُنظر إلى من يعترض على ذلك كأنه متخلف أو غير متماشٍ مع “العصر”.
تتصاعد المبالغات مع بدء مراسم العزاء، حيث تتحول السرادقات إلى ما يشبه المسارح الكبرى، تُقام تحتها حلقات الذكر التي قد يُدعى إليها أكثر من مقرئ، ليس بغرض طلب الرحمة للميت، وإنما للتباهي أمام الآخرين بقدرة الأسرة على تحمل نفقات كبار المشايخ. بعض الأسر تحرص على تصوير هذه الليالي وبثها مباشرة، في تماهٍ غريب بين الحزن وبين الرغبة في نيل إعجاب الآخرين.
ثم تأتي ذروة العبء حين يتحول العزاء إلى مأدبة ضخمة، يفرضها العرف الاجتماعي لا الكرم، حيث يُنتظر من أهل الفقيد أن يذبحوا الأنعام أو يشتروا عشرات الكيلوجرامات من اللحوم، ويستعينوا بطهاة محترفين لإعداد الطعام للمعزيين. بعض الأسر الفقيرة تضطر للاقتراض أو بيع ممتلكاتها خوفًا من “الفضيحة”، لأن أي تقصير في هذا “الواجب” قد يعرضهم للنقد اللاذع وربما القطيعة من بعض أفراد المجتمع.
من منظور ديني، لا يوجد أي سند شرعي يبرر هذه العادات، بل إن الإسلام نهى عنها بوضوح. فقد قال النبي ﷺ حين استشهد جعفر بن أبي طالب: “اصنعوا لأهل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم”، وهو ما يدل على أن أهل الفقيد يجب أن يُخفف عنهم، لا أن يُحملوا فوق طاقتهم. وقد اعتبر بعض العلماء هذه الممارسات نوعًا من النياحة المنهي عنها، حيث قال الصحابي جرير بن عبد الله البجلي: “كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام لهم من النياحة”. فكيف تحولت السنة إلى بدعة؟ وكيف أصبح المفترض في العزاء هو العكس تمامًا لما أوصى به الشرع؟
أما من منظور علم الاجتماع، فإن هذه الظاهرة تعكس طبيعة المجتمعات التقليدية التي تحكمها العادات أكثر مما تحكمها القيم، حيث يتحول الأفراد إلى أسرى لطقوس متوارثة، لا يجرؤون على كسرها خشية النبذ أو النقد. إنها مجتمعات تفرض على الفرد أن يثبت ذاته من خلال المظاهر، حتى لو كان ذلك على حساب راحته النفسية أو استقراره المالي. فالمسألة هنا ليست مجرد “كرم” أو “واجب”، بل هي شكل من أشكال الضغوط الاجتماعية التي تُمارَس باسم التقاليد.
من الناحية العقلية والمنطقية، لا يمكن لأي شخص متزن أن يقبل بفكرة أن الحزن يحتاج إلى إثبات مادي، أو أن احترام الميت يُقاس بحجم السرادق أو كمية الطعام المقدَّم. المنطق يقول إن المواساة تكون بالدعاء وبالوقوف إلى جانب أهل الفقيد، لا بتحميلهم فوق طاقتهم. لكن المشكلة أن هذه العادات أصبحت مترسخة في العقل الجمعي، حتى صار من الصعب تغييرها إلا بوعي جماعي جديد، يتطلب شجاعة في كسر التقاليد الزائفة، وجرأة في مواجهة القيم المغلوطة التي تجعل من الموت صفقة خاسرة على كل المستويات.
يبقى السؤال الملحّ: إلى متى سنظل أسرى لهذه التقاليد التي تحوّل لحظات الحزن إلى استعراض اجتماعي؟ متى يدرك المجتمع أن الموت لا يحتاج إلى بهرجة، وأن التكافل الحقيقي يكون في التخفيف عن أهل الميت، لا في تحميلهم أعباءً إضافية؟ والأهم، متى يتحلى الأفراد بالشجاعة الكافية لرفض هذه العادات، حتى وإن تعرضوا للنقد، لأن الخطوة الأولى نحو التغيير تبدأ من فرد يجرؤ على كسر السلسلة، ليكون مثالًا لغيره؟




