مقالات

الفلسفة العميقة لرحلة الحج

بقلم عبير مدين
كاتبة سياسية و روائية

في هذه الأيام المباركة ونحن نرافق الحجيج بأرواحنا ونتوق شوقا لزيارة بيت الله الحرام ربما تتقافز إلى الذهن بعض الأسئلة ونحن نرى البلدان تتطاول في البنيان ويتسابق الملوك والرؤساء في بناء افخم القصور واوسعها وتزيينها بأفخر الديكورات، ونحن نتابع احدث موديلات الملابس وأعلاها جودة وسعرا تأتي رحلة الحج بقيمتها الفلسفية تنسف كل هذا!
ويأتي بناء بيت مالك السماوات والأرض معجزة روحية بيت بسيط لم يبنى بلبنات من الذهب أو حتى الفضة لم يصل بأحجاره إلى السماء ولم يبتلع الأرض باتساعه ووبدلا من الطواف بالبيت سبع أشواط يصبح شوطا واحدا إنما اختار الله لبيته المحرّم أن يكون بنائه البسيط، التكعيبي، خالي من الزخارف والضخامة الأسطورية التي نراها في قصور الملوك أو معابد الحضارات القديمة بعيدا عن الاتساع وجعل على المؤمن أن يطوف سبعاً حباً وطاعة لله ورسوله أولاً، ثم يستشعر بقلبه أن هذا الرقم يربطه بنظام الكون البديع الذي أتقنه الخالق سبحانه، ليكون الطواف سياحة روحية تعيد ترتيب النفس البشرية.
​الحكمة الإلهية في تصميم الكعبة وبساطتها تحمل رسائل وفلسفة إيمانية عميقة جداً،
​الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وهو متعالٍ عن المادة والصورة. لو بُنيت الكعبة بشكل فخم جداً، مرصعة بالجواهر والذهب والتماثيل العظيمة، لتعلق بصر الإنسان وبصيرته بجمال البناء نفسه بدلاً من التعلق بربّ البناء ولانشغل عن العبادة وإفراغ روحه من كل مظاهر الكبر والخيلاء.
​الهدف اذا هو االبساطة الشديدة التي تجعل العين لا تجد ما تنبهر به مادياً، فيتحول الانبهار والخشوع تلقائياً إلى الجانب الروحي. أنت لا تنظر إلى أحجار فخمة، بل تتأمل في عظمة الخالق الذي تقف في بيته.
​وهناك في قلب الصحراء جعل البيت مكانا يذوب فيه الغني والفقير، الملك والمملوك.
و​لو كان أثاث الكعبة فخماً وبناؤها ضخماً كقصور الملوك، لربما شعر الفقير بالغربة أو بالدونّية في هذا المكان الفخم الذي قد يذهب بعقله بعيدا.
​الكعبة ببساطتها، والملابس (الإحرام) ببساطتها، تعيد الإنسان إلى أصله: “كلكم لآدم، وآدم من تراب”. ويعكسا حقيقة أن القيمة ليست في المظاهر، بل في القلوب.
والعبادة بالجهد والروح لا بالمشاهدة السياحية
​الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم على لسان سيدنا إبراهيم: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}.
​المكان في الأصل كان وادياً جافاً قاحلاً، والبناء حجر فوق حجر.
​الحكمة هنا هي أن يأتي الإنسان إلى هذا المكان لله فقط، متحملاً مشقة السفر، وليس بدافع “السياحة البصرية” أو رؤية معجزة معمارية فخمة.
فخامة الرحلة تأتي من داخل نفس المؤمن، ومن روحانية الطواف حول بناء بسيط يربطه بالأنبياء من آدم وإبراهيم إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) هناك انت تسير على خطى معظم الانبياء الذين زاروا بيت الله الحرام.
هناك بجمرات بسيطة ترجم رمز الشيطان وتتحدى وسوسته في عملية رمزية
هناك يعلو التكبير وتسقط الذنوب بإخلاص النية.
رحلة عبر الزمن بعيدا عن الرفاهية والراحة ​الرمزية التاريخية والارتباط بالأصل
اول بيت بني على الأرض ​بشكله المكعب (وهو ما تعنيه كلمة كعبة) هو أقدم وأبسط أشكال البناء الإنساني. هذا البناء يذكرنا بالبدايات، بالبساطة التي خلق الله عليها الأرض قبل أن تتلوث بصراعات البشر على المظاهر والفخامة الزائفة. إنه يعيد الإنسان إلى “الفطرة الأولى”.

و​إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى، سنجد أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الفخامة والاتساع فيما يحيط بالبناء لخدمة ضيوفه (المسجد الحرام وتوسعاته العظيمة)، بينما أبقى جوهر البيت (الكعبة) كما هو لحفظ رمزيته وتاريخه.
​أما عن الفخامة الحقيقية للكعبة، فهي ليست في نوع الحجر أو الأثاث، بل في الهيبة التي قذفها الله في قلوب البشر. كم من قصور فخمة في العالم يمر عليها الإنسان ولا تحرك فيه ساكناً، وكم من ملايين البشر تفيض أعينهم بالدموع لمجرد رؤية هذا البناء المكعب البسيط! هذه هي الفخامة الروحية التي لا يمكن لأي مهندس أو ملك أن يصنعها.
من الداخل، تتميز الكعبة المشرفة أيضا ببساطتها الشديدة التي تعكس نفس الفلسفة الروحية.
حيث يوجد في الداخل ثلاثة أعمدة من الخشب المنقوش بمهارة، وهي تحمل سقف الكعبة.
أما الأرضية فهي مغطاة بالرخام الأبيض، وكذلك الجدران مغطاة بالرخام حتى ارتفاع محدد، حيث يلتقي مع الكسوة الداخلية الخضراء المزينة بآيات قرآنية مطرزة بالفضة والذهب.
كما يوجد بها صندوق ومبخرة؛ الصندوق رخامي صغير تُحفظ فيه بعض الهدايا التاريخية والمباخر التي تُستخدم لتعطير جوف الكعبة.
وداخل الكعبة يوجد باب التوبة وهو باب صغير مصنوع من الذهب يؤدي إلى سلم يصعد إلى سطح الكعبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى