بقلم/ حسناء بهاء رشاد ـ باحثة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر
مقدمة:
لطالما ارتبطت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بعلاقات أخوية استراتيجية تمتد لعقود، تستند إلى الروابط التاريخية والدينية والمصالح المشتركة في مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة في منطقة الخليج والعالم العربي، وقد دفع هذا التعاون الشامل إلى تنسيق وثيق في عدد من الملفات الإقليمية الكبرى، مثل اليمن والسودان والمنطقة ككل، إضافة إلى شراكات اقتصادية وتجارية متنامية بين البلدين.
أولًا: التوتر الحالي: اليمن في صلب الخلاف
في أحد أبرز التطورات في نهاية ديسمبر 2025، شهدت العلاقات السعودية‑الإماراتية تدهورًا حادًا على خلفية الملف اليمني:
السعودية أصدرت تحذيرًا شديد اللهجة مطالبة القوات الإماراتية بالخروج من اليمن في غضون 24 ساعة، معتبرة وجودها يشكل تهديدًا لأمنها القومي، بعد غارات لقوات سعودية ضد عناصر موالية للإمارات في محافظة المكلا.
الرياض أعربت عن “خيبة أملها” من موقف أبوظبي الذي قالت إنه يدفع بالقوات الانفصالية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي (STC) للقيام بعمليات عسكرية قرب حدود السعودية في حضرموت والمَهرة، وهو ما يعتبره الجانب السعودي تهديدًا مباشرًا لاستقراره الوطني. في المقابل، المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تدعمه الإمارات، رفض أوامر الانسحاب ويستمر في تعزيز سيطرته على مناطق جنوب اليمن، ما يفاقم الخلاف داخل التحالف الذي كان يقاتل الحوثيين منذ 2015.
هذه المواجهة في اليمن تمثل أبرز نقطة احتكاك بين الرياض وأبوظبي منذ سنوات، وتُظهر مدى صعوبة التنسيق بينهما في ملفات خارج حدود دولهما عندما تتقاطع المصالح الوطنية مع حسابات إقليمية أوسع.
ثانيًا: الأبعاد الاقتصادية والسياسية
على الرغم من التوتر العسكري في اليمن، تستمر العلاقات الرسمية بين البلدين في مجالات اقتصادية وتجارية:
في شؤون التجارة، بلغت قيمة تبادل السلع بين البلدين مستويات مرتفعة في النصف الأول من 2025، مع نمو قوي في التجارة غير النفطية، مما يعكس استمرار الربط الاقتصادي والتعاون في مشاريع تنموية مشتركة ضمن أهداف رؤية 2030 السعودية.
كذلك، عقد البلدان اجتماعات لجان قنصلية مشتركة لتعزيز العلاقات الإدارية وتسهيل التعاون بين المواطنين والمؤسسات في كلا البلدين.
ثالثًا: تباين في الأجندات الإقليمية
العلاقات السعودية‑الإماراتية لم تعد مجرد شراكة موحدة في كل القضايا، بل بدأت تظهر تباينات واضحة في الأولويات الإقليمية:
بعض التحليلات تؤكد أن المصالح الوطنية لكل دولة تقودها أولويات مختلفة في بعض الملفات — مثل اليمن أو قضايا الطاقة أو الأمن الإقليمي — ما أدى أحيانًا إلى تقاطع وفصل في السياسات تجاه الدول الأخرى.
الخلافات الاقتصادية حول اتفاقات إنتاج النفط في إطار أوبك+ كانت أيضًا جزءًا من هذه التوترات في الماضي، واستُخدمت كدليل على المنافسة الاستراتيجية بين الرياض وأبوظبي في الأسواق العالمية.
رابعًا: انعكاسات التوتر
التصعيد الحالي في اليمن يُعد أكبر اختبار في العلاقات الثنائية منذ سنوات، وقد تكون له آثار على:
١- الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل التحولات الأمنية في الخليج واليمن.
٢ـ التنسيق العسكري داخل التحالف العربي ضد الحوثيين، الذي تواجهه تحديات بسبب هذا الخلاف.
٣- الاقتصاد والأسواق في حال استمر التوتر بين قوتين اقتصاديتين أساسيتين في المنطقة.
خاتمة
علاقات السعودية والإمارات تبقى في جوهرها تحالفًا تاريخيًا قويًا، لكن الاختلافات الاستراتيجية حول قضايا إقليمية حساسة — لا سيما في اليمن — أظهرت قدرًا من التباعد في السياسات الوطنية. يبقى السؤال حول ما إذا كانت الخطوات الحالية تصب في اتجاه نزاع مفتوح أو مجرد تصعيد مرحلي يمكن تجاوزه من خلال سياسات دبلوماسية مستمرة بين العاصمتين.