مقالات

وكان عتاب – الجزء الثالث

بقلم الكاتب والمحامي : عبدالعزيز الطباخ
————————— ——————–
… يبدو أن نفسي قد أرخت قبضتها عني .. وخففت من كثرة عتابها لي ، وانداح ما بيننا من حواجز أوقلاع أوجسور .. فتنفست الصعداء .. وران علي قلبي هدوءا ، وسكينة .. ومآ عاد العتاب يترقرق بيننا إلا قليلاً .. وإذا عاد فعودا حميداً ، دافئا ، مثلما يحدث بين المحبين إذا تصالحوا فيما بينهم …

… وأطرقت نفسي ، ثم ساءلتني بعد تردد ، وبعد صمت قليل ران بيننا — لماذا ترهق نفسك فى الكتابة إلي هذا الحد ؟ .. إن القلم لآ يكاد يفارق أناملك .. أشك أنك تكتب حتي في رقادك ، وفى أحلامك .. لقد راودني ذلك السؤال كثيراً ، ولقد خشيت إيلامك بكثرة تساؤلاتي ، وعتابي .. فلمن تكتب .. ولماذا ؟ .. قلت لها : —

… أكتب أولا لألبي نداء قلبي .. فالكتاب هو رفيق دربك الذي ينصحك بصدق ، ويواسي ألمك .. وهو الصديق الذي لآ يغدر ولآ يخون ، فى زمن يغدر فيه الصديق بصديقه ، والأخ بأخيه ، والجار بجاره .. والكتابة بالنسبة لي كالماء ، والهواء .. كفاني مآ ضاع من عمري هدرا .. وأكتب أيضا لكى أتتداوي من جروحي ، وأري أغوار نفسي ، ومآ خفي عني …

… ولقد بحثت كثيراً عن شفاءا لقلبي ، فوجدت الدواء فى الكتابة .. وهآ أنذآ .. أسير فى دروب الحياة ، وأنقب فى دنيا المشاعر حالما تواقا لعالم يسوده الحب والعدل والمساواة والسلام …

… أكتب لكي أتنفس نسيم الحياة ، ويخفت صوت المعاناة ، وأشعر بإ نسانيتي ، فأنا لآ أشعر بنبض الحياة إلا من خلال كتاباتي …

… أكتب لكل عين دمعت أجفانها قهرا وحزنا وخذلانا واحتياجا .. وأكتب لكل مجروح أو مكسور أو مظلوم أو مضطهد ، يئن من مرار جرحه ، وآلام كسره ، فلعله يجد فى كلماتي سلوي لأحزانه …

… أكتب لكل من يتذوق حلاوة الكلمة .. وأكتب لكل قلب ينبض بحب الحياة ، وبحب أخيه الإنسان .. وأكتب إلي كل نفس تهفو لاستقبال إشراقات الصباح .. ولمن يشرعون نوافذهم لرؤية أزاهير الصباحات تترعرع تحت أشعة الشمس الذهبية .. وأكتب لأهل الخير ، ولكل من زرع شجرة خضراء فى كل بقاع الأرض ، ولمن يبتسم النهار لرؤية وجوههم النيرة …

… أكتب من قلبي ، لكل قلب جميل يشعر بقلبي ، وينصت لهمسي ، ويحس بقلمي ، مهما بعدت بيننا المسافات .. ذلك القلب الذي يمكن أن يزهد الحياة اذا توقف يوما عن الكتابة .. فالكتابة ترقق قلبي ، وتشعرنى بقيمة الحياة .. وإذا كانت هناك قلوب صماء كالصخر ، لآ تشعر ولا تحس ، وقلوب لآ يغمض لها جفن ولآ يهنأ لها بال إلا بظلم الآخرين أو أذاهم أو رؤيتهم يحزنون .. فهناك — وإن ندرت — قلوب تفوح بعطرها بين طيات حروفي ، قلوب كأنها كانت مخبوءة في قنينة عطر ذآ أريج فواح ، أو تروي بماء الورد ، أو تتواري بين أزهار ربيع لآ خريف بعده ، ولآ قيظا ، ولآ زمهريرا …

… إن الحياة .. ياصديقي .. تقدم لنا كل يوم صورا شتي ، ونحن نعبر عنها بالكلمات ، بالفن الراقي ، والرومانسية التي إختفت ، وتوارت من حياتنا ، وصدرت لنا العنف ، والجريمة ، والكراهية ، والتفاهة …

… إن الجروح الدفينة في داخل كل إنسان تحتاج لمن يطهرها ويطيبها .. تحتاح لمن يواسيها ولو بكلمة طيبة .. فهناك قلوب تئن ، وبطون تعوي ، وأرواح تزهق ، وجرائم ترتكب كل يوم ، بل كل ساعة ، إن لم يكن كل دقيقة …

… إننا في الحقيقة ضعفاء ، لآ نملك من أمرنا شيئاً ، لولا رحمة خالقنا .. لذآ فنحن نحتاج دوماً إلى رفقة طيبة كي نري جمال الحياة ، ونتجاوز عثراتها .. وفي الرواية العالمية الشهيرة ( الموسيقى الأعمي ) .. ولد بطل الرواية أعمي لا يبصر .. وتمضي به السنين ، فتزيده بؤسا ويأسا من حياته .. ويكبر الصغير الذي لم يعرف في حياته سوي عتمة الظلام ، ورغم جماله الباهر ، الذي لآ يدري عنه شيئا ،ً نجده يستسلم لأفكاره وهواجسه التي تضاعف من يأسه ومن أحزانه .. ولقد رأته إحدى الفتيات ، فأحبته ، وعندما علمت بمصابه بكت أمامه بكاء مريرا حزنا وشفقة عليه .. ولكنها أحبته حبا جما لخصاله الطيبة ووداعة نفسه ، فمنحته قلبها طواعية وعن رضا ، وأعطته الأمل في الحياة .. فأحب الأدب ، والشعر ، وأتقن الموسيقي التي تفوق فيها علي كل أقرانه ، معبراً بها عن أحزانه …

… لقد خلق — الموسيقي الأعمي — لنفسه عالما من وحي خياله .. عالما خاصا به .. ولكنه بلا شك عالم حزين .. ولقد علم أن فتاته تشاركه شعوره ، وإحساسه ، فخفق قلبه بالحب لأول مرة ، إنها الجنة بعد النار ، والمروج الخضراء وسط صحراء الحياة ، والراحة بعد المعاناة ، والأمل بعد اليأس .. فهناك إذن إنسانا يشعر به ، إنسانا يلتمس فيه السلوي لآلامه وأحزانه .. والرواية جاءت لتعلمنا أن هناك أشياء غالية فى حياتنا ، أشياء لآ تقدر بثمن ، أشياء ربما لآ نلاحظها ، ولآ نعلم قيمتها إلا حين نفقدها …

… ولقد أبدع الكاتب العالمي ، الحائز على جائزة نوبل فى الأدب الإنساني عن جدارة ( غابراييل ماركيز ) .. فى وصف هذه الحالة ، وذلك فى أحد حواراته في روايته الشهيرة ( مائة عام من العزلة ) .. فيقول على لسان أحد أبطالها : —

* أتعلم ماهو العذاب الحقيقي ؟ ليس هو الموت .. بل أن تعيش فى قلب أحدهم كزهرة باهتة .. أن تصبح شبحا فى حياة كنت يوما مركزها .. إن الناس يموتون فى اللحظة التي يقرر فيها الآخرون نسيانهم ، وليس حين يدفنون تحت التراب …

… ولقد بعث الموسيقي الأعمي من جديد ، ليري العالم بعيون من أحبته ووهبته قلبها .. لقد بعث من جديد حين أحس بمن تشعر به ، وتشاركه ألمه ، وتذرف الدموع من أجل عيونه .. فانطلق في عالم الجمال .. عالم الأدب والشعر والموسيقي … إن العزلة الحقيقية .. ياصديقي : لم تكن فى عاهته أو غربته عن المكان .. بل كانت العزلة الحقيقية هي فى نسيانه ، وإسقاطه من ذاكرة الزمن التي كثيراً ما تخون ذاكرة أصحابها بمرور الزمن …

( وللحديث بقية )
————————————————–

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى