
حين يُغتصب الجسد وتُغتال الكرامة: صرخة ضد تشهير الضحايا في إعلام لا يرحم
بقلم د. سامح فرج حموده – باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.
في الوقت الذي يفترض أن نحاصر الجاني بالعدالة، نجد أنفسنا نحاصر الضحية بالفضيحة. لم تعد بعض وسائل الإعلام تكتفي بكشف الجرائم، بل صارت تمارس نوعًا من “الاغتصاب الإعلامي” لضحايا لم يجنوا ذنبًا سوى أنهم وُجدوا في لحظة ضعف… تُكشف هوياتهم، تُذاع تفاصيلهم، ويُعاد اغتيالهم على شاشات الهواتف قبل أن تلتئم جراحهم. فهل نحن مجتمع يرحم أم يفضح؟ وهل فقدنا البوصلة الأخلاقية والدينية باسم “السبق الصحفي”؟
الستر… مبدأ ديني وإنساني مغيَّب:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة”، فالستر ليس تغطية على الجريمة بل رحمة بالمجني عليه، خصوصًا إن كان طفلًا لا يملك من أمره شيئًا. في قضايا الاغتصاب، المطلوب عدالة حاسمة للجاني، لكن مع حماية كاملة لهوية الضحية، لأن نشر التفاصيل يعيد إيذاءه نفسيًا واجتماعيًا، ويخلق له مستقبلًا مشوهًا لا ذنب له فيه.
تشهير الضحية… جريمة إعلامية جديدة:
منذ متى أصبح اسم الطفل، أو عمره، أو منطقته، مادة للعرض؟
تقوم بعض المواقع الإخبارية والقنوات الفضائية بنشر تفاصيل دقيقة عن الواقعة، تحت مسمى “كشف الحقيقة”، دون إدراك أنهم يفضحون الضحية أمام أهله ومدرسته ومجتمعه، بل ويعطون المجرم فرصة للشماتة فيه مرة أخرى.
إن الانتهاك لا ينتهي عند الجريمة، بل يبدأ من جديد كلما أعيد بث الخبر أو شارك أحدهم الفيديو أو ألقى تعليقًا ساخرًا. هنا نكون قد ارتكبنا جريمة ثانية: جريمة إعلامية تقتل الطفل معنويًا، وتغرس فيه شعورًا دائمًا بالخزي والعار.
نفسياً… الضحية لا ينسى، والمجتمع لا يغفر:
بحسب دراسات الطب النفسي، فإن ضحايا الاعتداء الجنسي الذين يتعرضون للتشهير يعانون من:
اضطرابات ما بعد الصدمة
اكتئاب مزمن وشعور بالعار
فقدان الثقة بالنفس والمجتمع
ميول للعزلة أو حتى الانتحار في بعض الحالات
بل قد ينمو لدى الطفل دافع للانتقام من المجتمع الذي لم يحمه، بل كشفه وأهانه، فيتحول من ضحية إلى قنبلة اجتماعية موقوتة.
مستقبله على المحك… والزواج والعمل في مهب الريح:
تخيل أن هذا الطفل يكبر ويصل إلى مرحلة الشباب…
يتقدم لخطبة فتاة، فتهمس صديقاتها: “ده اللي حصل له كذا وكذا!”
يلتحق بوظيفة، فيتندر عليه الزملاء.
يرد على من يسيء إليه، فيسمع في المقابل: “ما تردش… ده كانوا بيعملوا فيه…!”
هذه المآسي ليست خيالات، بل واقع يعيشه كثيرون ممن فُضحوا إعلاميًا، ودفعت حياتهم كلها الثمن.
الإعلام بين المسؤولية والسباق القاتل:
بدلًا من أن يكون الإعلام حائط صد للضعفاء، تحوّل في بعض الأحيان إلى أداة قتل بطيء. غابت الأخلاقيات، وانهارت المعايير، وأصبح “التريند” أهم من كرامة الإنسان.
متى نرى ميثاق شرف إعلامي يُجرّم نشر أي تفاصيل تمس كرامة الضحية؟
متى يُحاسَب من يعيد إيذاء الطفل على الملأ؟
متى يصبح للمهنية حدود لا يتجاوزها اللهاث خلف المشاهدات؟
القانون… غائب أم مُغَيَّب؟
مع أن بعض الدول تسنّ قوانين تمنع نشر هويات ضحايا الجرائم الجنسية، إلا أن التطبيق ضعيف، والرقابة أضعف.
نحن بحاجة إلى:
تشريع واضح يُجرّم تشهير الضحايا
جهات رقابية تُلزم المؤسسات الإعلامية بالحذف الفوري
ثقافة عامة تحترم الخصوصية، وترفض إعادة تداول المآسي
الخاتمة: دعونا نستر ما استطاع الستر أن يُخفيه
في زمن اللا رحمة، علينا أن نعيد إحياء قيمة “الستر”، لا كفعل إنساني فقط، بل كواجب ديني وأخلاقي وإعلامي.
فلنحاسب الجناة، نعم. لكن دعونا نُطوي صفحة الضحية في صمت يحميه، لا في ضجيج يذبحه ألف مرة.
كل طفل نفضحه اليوم… هو رجل مشوه الغد.
وكل فتاة ننشر مأساتها… هي امرأة محطّمة إلى الأبد.
فمن ينقذ الضحايا من جريمتنا الثانية؟




