مقالات
أخر الأخبار

الزوج… هل أصبح دوره في الحياة الزوجية مهددًا بالإنقراض؟

 

كتب الدكتور:/ سامح فرج حموده


 

لم يكن دور الزوج في الأسرة محل جدل كما هو اليوم، حيث تشهد المجتمعات تحولات جذرية في النظرة إلى العلاقات الزوجية، متأثرة بموجات فكرية تروج لفكرة الاستقلالية المطلقة للمرأة، حتى بات الرجل يُنظر إليه في بعض الأوساط على أنه مجرد عائق أمام تحقيق الذات، وليس شريكًا للحياة وبانيًا للأسرة. هذه النظرة المتطرفة، وإن بدت للبعض تحررًا، إلا أنها في الواقع تحمل في طياتها تهديدًا خطيرًا لاستقرار المجتمع، لأنها تقوّض أهم ركيزة فيه: الأسرة.
الزوج ليس مجرد فرد في معادلة الزواج، بل هو الرأس الذي يقود السفينة وسط أمواج الحياة، وهو الدرع الذي يحمي، والسند الذي يُعتمد عليه. فكيف أصبح دوره مهددًا؟ ولماذا يتم تصويره في بعض الخطابات على أنه رمز للهيمنة والقمع، وليس للقيادة والحماية؟
التأثيرات الثقافية والإعلامية لعبت دورًا رئيسيًا في تغيير صورة الزوج، فالمحتوى الموجه إلى النساء عبر وسائل الإعلام الحديثة والمنصات الرقمية بات يركز بشكل غير مسبوق على فكرة الاستقلال التام، لا من باب تحقيق الذات فحسب، بل من زاوية التقليل من أهمية الرجل، وتصوير الحياة من دونه على أنها أكثر حرية وسعادة. هذه الفكرة، وإن كانت تبدو جذابة في البداية، إلا أنها تتجاهل حقيقة أن العلاقات الإنسانية تقوم على التكامل لا الصراع، وعلى الشراكة لا التنافس.
إن الزوجة التي تتأثر بهذا الخطاب قد تبدأ في النظر إلى زوجها على أنه عبء، وتبدأ في عدّ مسؤولياته عليها نوعًا من التحكم، وليس جزءًا من الأدوار الطبيعية داخل الأسرة. وهذا الشعور، إن لم تتم معالجته، يتحول بمرور الوقت إلى فجوة عاطفية، تسبق عادة الفجوة الحقيقية التي تنتهي إما بانهيار الزواج، أو بتحوله إلى علاقة باردة خاوية من الروح.
لكن هل يعني هذا أن على الزوجة أن تتقبل أي سلوك من زوجها؟ بالتأكيد لا. فهناك فرق بين الزوج الذي يخطئ ويصيب، يتعثر وينهض، لكنه يبقى إنسانًا يسعى للحفاظ على بيته، وبين الزوج المتسلط، البخيل، الخائن، الذي يجعل من الحياة معه ضربًا من العذاب النفسي. الأول يحتاج إلى تفهم ودعم، أما الثاني فهو ابتلاء، وقد يكون الفراق معه أحيانًا أكثر رحمة من الاستمرار في علاقة تهدم النفس قبل أن تهدم الأسرة.
في المقابل، لا يمكن إعفاء الزوج من مسؤوليته في هذه المعادلة. فالزوجة التي تحترم زوجها وتمنحه مكانته، تحتاج إلى أن ترى منه ما يجعل هذا الاحترام مستحقًا. لا يمكن للرجل أن يطالب بمكانته كرب للأسرة، وهو لا يقوم بدوره كما يجب، أو لا يمنح زوجته الأمان العاطفي الذي تحتاجه. إن الاحترام يُبنى على أساس من التعامل الكريم، والمعاملة بالمعروف، وليس مجرد مطالبة فارغة بحقوق دون واجبات.
الزواج ليس حربًا باردة، ولا معركة للسيطرة، بل هو رحلة طويلة تحتاج إلى الصبر والتفاهم والتوازن. ومهما حاولت بعض الخطابات الحديثة التقليل من أهمية الزوج، فإن الحقيقة التي أثبتها التاريخ والواقع أن الأسرة لا تقوم إلا بتكامل الطرفين، وأن أي محاولة لتهميش أحدهما تعني ببساطة إضعاف البناء بأكمله. قد تغري بعض النساء فكرة التحرر من القيود، لكن الحرية الحقيقية ليست في الهروب من المسؤولية، بل في إدراك قيمتها، ومعرفة أن الاستقرار لا يُبنى على تنازل طرف عن دوره، بل على أداء كل طرف لدوره كما ينبغي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى