عندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم.

فهيم سيداروس
فما الذي اختلف؟
نشر الكاتب البرازيلي الشهير باولو كويلو قصة قصيرة يقول فيها:
كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكفّ عن مضايقته، وحين تعب الأب من ابنه
قام بقطع ورقة في الصحيفة كانت تحوي خريطة العالم، ومزقها إلى قطع صغيرة، وقدمها لابنه،
وطلب منه إعادة تجميع الخريطة، ثم عاد لقراءة صحيفته ظاناً أن الطفل سيبقى مشغولاً بقية اليوم، إلا إنه لم تمر خمس عشرة دقيقة حتى عاد الابن إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة،
فتساءل الأب مذهولاً:
هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟!
رد الطفل قائلاً: لا؛ لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم.
كانت عبارة عفوية، ولكنها كانت جميلة وذات معنى عميق – عندما أعدت بناء الإنسان أعدت بناء العالم..
نفس الهدف (بناء جدار)
نفس الوظيفة (البناء)
نفس المواد والكلف
نفس الجهد العضلي!
أعتقد أن هذا التوصيف دقيق جدا ويكشف أهمية صناعة الوعى التى أعتبر أنها المرحلة الأهم فى عملية بناء الإنسان، وأعتقد أن هذه العملية تكتسب أهمية مضاعفة فى هذا التوقيت الحرج من عمر الإنسانية حيث تطورت أليات النزاع الدولية وأصبح التدخل الخارجى يتم أولا من خلال تزييف وعى الأمة وتحويل طاقات الشباب من البناء إلى الهدم وفى هذه الحالة لا يحتاج العدو استخدام الآلة العسكرية بعد أن وجد من ينوب عنه فى الهدم والتخريب، ولذلك قالوا أن بناء الإنسان يسبق إقامة البنيان.
هذه العملية الدقيقة المسماه بصناعة الوعى تحتاج إلى تضافر جميع الجهود وأن تشترك فيها مؤسسات الدولة بالكامل تحت هدف محدد وهو إيقاظ الروح الوطنية داخل النشء ليصبح انتمائه لوطنه هو مصدر الفخر الأهم فى حياته، تشترك المدرسة بجانب كبير فى هذا والمؤسسات الثقافية هى جزء أصيل فى هذه الصناعة، ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للأندية والمؤسسات الرياضية، لكن هذا لا ينسينا أن الأمر يبدأ وينتهى في المنزل باعتبار أن الأسرة هى النواة الأولى لصناعة الفرد فى المجتمع.
هذا الموضوع مطروح بقوة ونحن نشرع لتدشين الجمهورية الجديدة، بحيث أن يصبح مصطلح الجمهورية الجديدة يشمل المواطن ووعيه إلى جانب إقامة الطرق والمباني التى تسهل حياة المواطن، انطلاقا من أن المواطن هو من سيقيم البناء ويحافظ عليه وتحصين وعيه هو تحصين للوطن، المهم أن تشارك كل مؤسسة فى الدولة بالجزء المنوط بها حتى نستطيع تحقيق أهدافنا فى بناء الإنسان وأن تسير العملية الثقافية بنفس الوتيرة التى تسير عليها عملية التحديث العمرانى الشاملة فى كل مكان بمصر.




