النصر بيد الله.. فقه الجهاد وأسباب التمكين في ميزان الكتاب والسنة.

✍️ بقلم: د. سامح فرج حموده.
الحمد لله الذي وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين إن هم أقاموا دينه، والصلاة والسلام على سيد المجاهدين نبينا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أولًا: وعد الله بنصر المؤمنين.
إن النصر بيد الله وحده، وليس مرتبطًا بدولة أو جيش معين، بل مشروط بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا﴾ (النور: 55).
فليس كل من حمل السلاح منصورًا، ولا كل جيش خاض الحرب مظفرًا، بل النصر مشروط بالتقوى، والصبر، والأخذ بالأسباب، كما قال تعالى:
> ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدَامَكُم﴾ (محمد: 7).
وقد روى البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
“واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.
ثانيًا: الأخذ بالأسباب قبل خوض المعركة.
لقد أمر الله المسلمين بالإعداد قبل المواجهة، فقال:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُم﴾ (الأنفال: 60).
وهذا ما فهمه الصحابة، فكانوا يعدّون العدة ماديًا وروحيًا، ولم يعتمدوا على النصر الإلهي دون تخطيط وعمل. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“لا يقاتل المسلمون عدوهم بعدد ولا عدة، ولكنهم يقاتلونهم بهذا الدين، فإن استووا في الدين كانت الغلبة للأقوى” (رواه ابن المبارك في “الزهد”.
وقد أمر النبي ﷺ بالتخطيط قبل المعركة، كما فعل في غزوة بدر حين استشار أصحابه ورتّب صفوفهم، فكان ذلك سببًا في النصر بإذن الله.
ثالثًا: التحذير من التخوين بلا دليل.
لا يجوز اتهام جماعات أو دول مسلمة بالخيانة دون بينة واضحة، فقد نهى النبي ﷺ عن سوء الظن، فقال:
“إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث” (متفق عليه).
وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله:
“ليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلِط، حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة” (“مجموع الفتاوى” 12/466).
لذا، لا ينبغي أن نكون وقودًا للفرقة والتنازع، فقد حذّرنا الله من ذلك بقوله:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفشَلُوا وَتَذهَبَ رِيحُكُم وَاصبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46).
رابعًا: حسن الظن بالله والثبات على الحق.
مهما كانت التحديات، فالنصر قادم إذا حققنا شروطه، قال تعالى:
﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: 160).
وقال خالد بن الوليد رضي الله عنه:
“ما ليلة يُهدى إليّ فيها عروس أحب إليّ من ليلة شديدة البرد في سرية من المهاجرين أصبّح فيها العدو” (رواه ابن المبارك في “الجهاد”).
فلتكن ثقتنا بالله عظيمة، ولنكن على يقين بأن النصر للإسلام وأهله متى أخذوا بأسبابه، وصبروا وثبتوا على الحق.
الخاتمة:
طريق النصر واضح لا التباس فيه
لا نصر بلا تقوى.
لا تمكين بلا إعداد.
لا وحدة مع التخوين.
إن كنا نريد النصر، فلنعدّ أنفسنا إيمانًا وعملًا وسلاحًا، ولنلتزم بحكمة الإسلام في التعامل مع أعدائه، ولنكن دعاة وحدة لا فرقة، مستمسكين بحبل الله، واثقين بوعده، صابرين على قضائه.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.




