مقالات

الحِلْم في مقابلة السَّفَه

 

✍️القاسم محمد جعفر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه اجمعين وبعد
لقائنا اليوم مع الصفة الثانية من صفات عباد الرحمن من خلال سورة الفرقان الحِلْم في مقابلة السَّفَه.
لمَّا ذكرت السورة الكريمة الصفة الأولى من صفات عباد الرحمن وهي التواضع والوقار أتت هنا بالصفة الثانية التي أوصلتهم إلى تلك الدرجة من الانتساب إلى الرحمن جل جلاله وهي أنهم مع هذا التواضع والوقار يُعرضونَ عن جهل الجاهلين ولا يلتفتون إلى سفه السفهاء وذلك هو غاية الحِلْم والصفح الذي هو من الصفات الحميدة والفضائل الرشيدة التي ميز الله بها الإنسان عن غيره من المخلوقات
قال تعالى( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا )
فالمراد بالجاهلين السفهاء
وذلك كقولِ الشَاعرِ:
ألا لا يَجهَلنَّ أحدٌ علينا فنجهلُ فوقَ جهلِ الجَاهِلينَ
قال تعالي ( قَالُواْ سَلَٰمٗا ) هذا بيان حالهم في المعاملة مع غيرهم
أي إذا خاطبوهم بالسوء قالوا: تسليمًا منكم ومتاركة لا خير بيننا وبينكم ولا شر .
وقال مجاهد‏:‏ معنى ‏” سَلَٰمٗا “‏سدادًا‏.‏ أي يقول للجاهل كلامًا يدفعه به برفق ولين
فإذا تعرَّض المؤمن لسفاهة الجهلاء لم يقابلهم بالمِثْل ولم ينزل إلى دركتهم كما أخبر بذلك القرآن الكريم عنهم في آيةٍ أخرى قال تعالى( وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ )
وهو سلام متاركة وإعراض لا سلام تحية وترحيب لأنَّ مجاراة السفهاء نوعٌ من السفاهة والطيش
ولقد تحدَّث القرآن الكريم والسنة المطهرة عن الحِلْم بشكلٍ واسعٍ ذلك أنَّ الله تعالى وصف نفسه بالحِلْم
قال تعالى (قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيم)
والحِلْمُ من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وصف الله تعالى به أنبيائه قال عن إبراهيم الخليل عليه السلام ( إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيب ) وقال عن سيدنا إسماعيل عليه السلام ( فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ )
ومدح اللهُ تعالى أصحاب الأخلاق الفاضلة ومنها الحِلْم
قال تعالى( ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ )
يقول العلامة الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين
اعلم أنَّ الحِلْم أفضل من كظم الغيظ لأنَّ كظم الغيظ عبارة عن التحلم أي تكلف الحِلْم ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا مَنْ هاجَ غيظه ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة ولكن إذا تعود ذلك مرة صار ذلك اعتيادًا فلا يهيج الغيظ
وإنْ هاج فلا يكون في كظمه تعب وهو الحِلْم الطبيعي وهو دلالة كمال العقل واستيلائه وانكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل وأمر الله تعالى المؤمنين بالاتصاف بأوصاف الكمال الأخلاقي
فقال تعالى( خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ )
ولقد حَثَّ النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه على الحِلْم وذَمَّ الغضب في أحاديث كثيرة منها:
ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُ الرِفق في الأمرِ كلهِ )
وقال صلى الله عليه وسلم (إنَّ الرفقَ لا يكونُ في شئٍ إلا زَانَهُ ولا يُنزَعُ من شئٍ إلا شَانَهُ )
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال( ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملكُ نفسه عند الغضب )
ومن خلال كل هذه الأحاديث وغيرها يتبين لنا فضل الحِلْم وأنَّهُ من صفات عباد الرحمن جل جلاله ولقد اتصف سلفنا الصالح بهذه الصفة الطيبة فلقد جاء رجلٌ لمالك بن دينار فقال له: بلغني أنَّكَ ذكرتني بسوءٍ فقال مالك: أنتَ إذًا أكرم عليَّ من نفسي إني إذا فعلتُ ذلك أهديتُ لكَ حسناتي
ومن هنا نعلم ونتعلم ان الحلم في مقابلة السَفه مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسبة لعباد الرحمن لأنَّ الرحمة ضد الشدة
ولا شك أنَّ ترك المقابلة بالسيئة أمرٌ مستحسن في الشرع وسبب لسلامة الصدر والورع ولأنَّ السنابل الملأى بالحَب تبدوا منحنية الرؤوس أمَّا السنابل الفارغة فهي التي تناطح الكواكب في أفلاكها
فما احوجنا الي العودة الي الأخلاق الفاضلة ومنها الحِلْم
هذا وبالله التوفيق وإلي لقاء قادم إن شاء الله تعالي وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه اجمعين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى