
الدموع وحدها لا تغيّر الواقع: دعوة إلى التغيير الفعّال
بقلم الدكتور سامح فرج حموده.
في وقتٍ تلتهم فيه الأزمات واقعنا، تغرق صفحات وسائل التواصل الاجتماعي في مشاعر الحزن والأسى على ما يحدث لأهلنا في غزة ورفح ،يذرف الناس الدموع، وتتصاعد الدعوات لرفع الظلم عنهم، ويعلو صوت الدعاء بأن ينصر الله الحق ويظهره،لكن هل حقاً يُحدث ذلك فارقاً؟ أم أن هذا الحزن يحتاج إلى أن يُترجم إلى عملٍ يغيّر الواقع؟
هل يكفي البكاء؟
إن مشاهد الدماء والدموع تحرك فينا أعمق المشاعر، ولكنها في النهاية تبقى مجرد رد فعل عاطفي إذا لم تُترجم إلى تغيير حقيقي.
الأمة الإسلامية مرّت بمراحل من الابتلاءات والفتن على مر العصور، وفي كل مرة كان الانتصار لا يتحقق بالبكاء، بل بالعمل الدؤوب، بالصبر على البلاء، والتمسك بالقيم، وإصلاح ما في النفوس قبل أن نطالب الله بتغيير ما حولنا.
البحث عن أسباب النصر
العبرة في هذه اللحظات العصيبة هي أن النصر لا يأتي فقط من الدعاء أو الحزن، بل من تطبيق سنن الله التي لا تتغير. فعندما ننظر إلى التاريخ، نجد أن كل محنة مرّت بها الأمة الإسلامية كانت تحتاج إلى تغيير داخلي في النفس أولاً، وإعداد حقيقي للنصر بعد ذلك. من غزوة أحد إلى محنة التتار، كان الدرس الواحد: النصر بحاجة إلى عمل جاد، إيمان صادق، وإعداد متكامل.
أين يجب أن نبدأ؟
بدلاً من أن ننتظر التغيير من السماء دون سعي، علينا أن نبدأ بأنفسنا، فنحن مسؤولون عن نصرة الحق بإعداد العدة، والعمل الصالح، والرجوع إلى الله بصدق:
إذا كنت عالماً: فواجبك نشر العلم النافع الذي يعين الناس على فهم دينهم وتطبيقه في حياتهم.
إذا كنت أباً أو أماً: فإن تربية الأبناء على القيم والمبادئ الإسلامية هي أداة التغيير الأولى.
إذا كنت تمتلك المال: عليك أن تسهم في رفد الفقراء والمحتاجين، وتكون ساندًا لمن يكابدون مشقات الحياة.
إذا كنت مبتلى بمعصية: فالتوبة والعمل على تجنب الخطايا هو السبيل الأمثل لإصلاح الذات.
التوجه نحو العمل المشترك
إن النصر يحتاج إلى جهد جماعي. إذا كان على كل فرد أن يساهم في مجاله، فإننا معاً سنخلق قوة مجتمعية قادرة على مواجهة التحديات. نحن بحاجة إلى بناء أجيال قادرة على التفكير بعيدًا عن التفاعل العاطفي اللحظي، والتمسك بالقيم الإسلامية الثابتة.
الإعداد الكامل لتحقيق النصر.
لا يمكننا أن ننتظر النصر أو التغيير دون أن نعد أنفسنا. فقد أمرنا الله تعالى في القرآن الكريم: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”. لا يتعلق الأمر فقط بالإعداد العسكري، بل يشمل كل جوانب الحياة: الإعداد العلمي، الإعداد التربوي، والإعداد النفسي. فالقوة لا تأتي فقط من السلاح، بل من قوة الإيمان والعقول المستنيرة التي تعرف كيف تواجه المحن.
الملخص
النصر ليس حدثاً عارضاً، بل هو نتاج لمجموعة من العوامل التي يجب أن نعمل على تحضيرها بعناية. الدعاء وحده لا يكفي، ولكن التوجه إلى الله بالعمل الصادق في إصلاح النفس والمجتمع هو ما سيُثمر في النهاية. كما قال الله تعالى: “ولينصرن الله من ينصره”، فالمخلصون في عملهم سيحصلون على نصرة الله بإذنه.
علينا أن نبدأ من الآن في العمل على تغيير أنفسنا وتوجيه طاقتنا نحو البناء والتطوير، مع الثقة في وعد الله الذي لا يخلف.




