بين نافلة الحج وإغاثة المحتاجين: أيهما أولى؟
تحقيق بقلم: د. سامح فرج حموده
في هذا الشهر الكريم، حيث تعلو أصوات القلوب بالدعاء، وتتصاعد أنفاس الصائمين رجاءً في رحمة الله، يبرز سؤال عميق في ميزان الشرع والإنسانية: أيهما أولى، الحج المكرر أم إغاثة المحتاجين؟
ليس هذا مجرد نقاش فكري، بل هو واقعٌ يعيشه الملايين، حيث نجد من ينفق الأموال على حج النافلة والعمرة المتكررة، بينما يعاني أقاربهم أو جيرانهم من العوز الشديد، أو يكابد الأيتام والأرامل لهيب الجوع والحرمان. وهنا، يجب أن نتأمل في فقه الأولويات، لا بعين العاطفة وحدها، بل بنور الشريعة وفهم السلف الصالح.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (البقرة: 215). هذه الآية ترسم لنا خريطة واضحة لأولويات الإنفاق، حيث تقدم الإحسان إلى المحتاجين، خاصة الأقربين، على غيرهم.
ولنا في قصة عبد الله بن المبارك عبرة بليغة، حين خرج للحج ثم رأى تلك المرأة التي التقطت دجاجة ميتة من القمامة، وحين علم بفقرها الشديد، آثر أن يعطيها المال الذي كان ينوي الحج به، وعاد إلى بيته، فكان ثوابه عند الله أعظم من سبعين حجة، كما جاء في رؤيا رآها بعد ذلك.
لكن السؤال هنا: هل هذه القصة وحدها تكفي للاستدلال؟ بالطبع لا، بل نحتاج إلى النظر في نصوص القرآن والسنة وأقوال العلماء لنعرف الميزان الصحيح لهذه القضية.
جاء عن النبي ﷺ قوله: «من كان عنده فضل مال، فليعد به على من لا مال له، ومن كان عنده فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له» (رواه مسلم). وهذا يدل على أن سد حاجة الفقير مقدم على النافلة، لأن الضرورة مقدمة على الكماليات في الإسلام.
وفي حديث آخر، قال ﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر» (متفق عليه). إذا كان ثواب إغاثة المحتاجين يعادل ثواب الجهاد، فهل يُعقل أن نغفل عنه لأجل نافلة؟
وعندما سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أيهما أفضل: التصدق أم الحج المتكرر؟ قال: “إن كان هناك محتاجون فإعانتهم أولى من نافلة الحج والعمرة”.
أما الإمام ابن القيم، فكان أكثر وضوحًا حين قال: “ترك الحج المكرر مع القدرة عليه، إذا كان هناك محتاجون، أفضل من فعله”.
وفي زماننا، نجد أن تكاليف العمرة والحج المكرر قد تصل إلى آلاف الجنيهات أو الدولارات، بينما هناك عائلات بأكملها تعاني من الجوع، أو شباب غير قادرين على الزواج، أو مرضى لا يجدون ثمن الدواء. فأين الحكمة في أن ننفق على النافلة بينما الفريضة – وهي رعاية المحتاجين – مُهمَلة؟
بل إن النبي ﷺ حذّر من عبادة تؤدي إلى تضييع الحقوق، فقال: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول» (رواه أبو داود). فكيف بمن يترك أقاربه أو جيرانه في ضيق، وينفق ماله في حج لا يزيد عن كونه تكرارًا لما فعله سابقًا؟
إن رمضان هو شهر الرحمة والتكافل، وهو فرصة لمراجعة أنفسنا وإعادة ترتيب أولوياتنا. فلنجعل من هذا الشهر منطلقًا لفهم أعمق لمعاني العبودية، ولنتذكر أن العبادة ليست فقط في كثرة المناسك، بل في تحقيق مقاصدها.
وختامًا، فلنتأمل قول النبي ﷺ: «أفضل الصدقة أن تعطي وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان» (رواه البخاري).
فهل سننتظر حتى يأتي يوم لا نملك فيه القرار، أم سنبادر اليوم إلى اختيار ما هو أعظم أجرًا وأبقى أثرًا؟




