مقالات

* لماذا يهان الطيبون

:
“”””””””””””””””””””””””””””
بقلم الكاتب والمحامي : عبد العزيز الطباخ
—————————- ———————–
… كل إنسان في هذه الحياة سيصادفه مواقف وعقبات فى طريق حياته ، قد يسعده بعضها ، وقد يؤلمه البعض الآخر .. ولكن الإنسان الواعي ، المدرك لحقيقة الحياة ، يمكنه تخطي هذه العقبات ، بأسرع مما يتخطاها غيره ، ولا يتوقف عندها كثيراً …

… وطبيعة هذه العقبات ليس هو المهم ، لأن الأهم من ذلك هو مدي رؤيتنا وتقييمنا لهذه المواقف ، وطريقة تعاملنا معها بما لا يضيرنا كثيراً ، ولا يسبب ضرراً مبالغا فيه نحو الآخرين ، لأن طبيعة ردود أفعالنا هى التى تحدد مدي نجاحنا فى التغلب على هذه العقبات ، وتجاوزها …

… ومن العقبات ، والمواقف المؤلمة التى تواجه البعض منا ، ممن يتحلون بالطيبة ، والتسامح .. أن البعض من ذوى النفوس المريضة ، يسيء التعامل مع أمثال هؤلاء ، لأنه قد أمن عقابهم ، فيتمادى فى غيه ، وظلمه لهم ، وعدوانه عليهم قولاً أو فعلاً ..

… وإذا أمعنا النظر حولنا .. سنجد أن أكثر الناس معاناة فى هذا العصر هم الطيبون ، وأبناء الأصول الذين تربوا جيداً ، لأن نشأتهم السوية ، وخلقهم الكريم ، وبيئتهم النظيفة وضعت لهم حدوداً لتصرفاتهم ، لا يمكنهم أن يتعدوها عند تعاملهم مع الآخرين .. فهم لا يسمحون لأنفسهم بتسلق هذه الأسوار العالية التي تحيط بتصرفاتهم ، أو يتجاهلوا مبادئهم وقيمهم التى تربوا ونشؤوا عليها .. لذا فمن الصعب أن يتحول الإنسان الطيب إلى إنسان سيء مهما آلمته المواقف ، وأضجرته الأيام ، وقست عليه الظروف .. لذا فالطيبون هم أكثر الناس معاناة فى هذا الزمان …

… فالإنسان العظيم الذى تربي فى بيئة وأسرة طيبة ، ضربت بجذورها فى أعماق تكوينه ، وبناء شخصيته ، يجود دائما بالعطاء ، لأنه نتاج بذرة طيبة ، والبذرة الطيبة فى الأرض الطيبة لا تعطي إلا ثمارا طيبة .. وعندما يتعامل مع الآخرين ، فهو يتعامل وفقاً لقيمه ومبادئه التى تربي عليها ، وليس بقيمهم ، مهما ساءت هذه القيم .

… والنفوس الطيبة ، لا تفقد إيمانها بالخير ، ونبذها للشر ، رغم أنها مقتنعة تماما بوجوده ، لأنها سبق وأن إحترقت بوهج نيرانه .. ولكنها فى النهاية لا تسمح لنفسها بأن تكون مخبأ للشر ، ووعاءا للكراهية ، والضغينة .. وواقع الحياة ينبيء بأن هناك أناس ماتوا وهم فى القلب أحياء ، بفضائلهم وعطاءاتهم .. وهناك أناس ماتوا وهم بيننا أحياء ، لأنهم كانوا دائماً مصدراً للأذى والإضرار بالآخرين …

… وكثيراً من مشاكلنا تأتينا لأننا لم نخطيء ، ولم نفعل شرا أو أذى بأحد .. بل لأننا فعلنا خيراً كثيرا .. فهل يعني ذلك أن نكف عن فعل الخير ، وتخلو صحيفة أعمالنا من رصيد حسناتنا .. فنحن عندما نفعل الخير ، لا نبغي عطاءا من أحد ، بل نفعله إرضاءا لرب العالمين ..

… ولقد أبدع الكاتب الروسي الشهير ” ديو ستوفسكى ” فى التعبير عن هذه المشاعر المؤلمة أروع الإبداع ، فى روايته الشهيرة ” الأبله ” .. ففى أحد الحوارات القصصية ، وكان بطلها أحد الأمراء — الطيبين — المسالمين على عكس غيره من الأمراء .. كان يعامل الجميع بالطيبة ، والبشاشة ، والسماحة ، والتواضع ، ويمد لهم دائما يد العون ، وكان يعطف عليهم كثيراً ، ويعطيهم من ماله بسخاء ، واستمرت هذه المشاعر الطيبة منه ، حتى ألفها الناس ، واعتادوا عليها .. ولكن ماذا كانت نتيجة هذه المعاملة الطيبة مع الكثيرين منهم ؟

… كان الجميع يتعاملون معه من قبل بإمتنان .. ولكن مع مرور السنين خبت تلك المشاعر قبل الأمير ، وبدأ البعض يتعاملون معه بإستخفاف ، بل ونظر البعض منهم إليه نظرة إستهزاء ، وتمادى البعض ، ووصفه ” بالأبله ” ، وكأنه أخطأ عندما عاملهم بما يليق بكرامة الإنسان ، وآدميته ، وكأن الطبيعى أن يعاملهم بغطرسة ، وكبرياء ، وتعالي .. مما آلم الأمير ، وأحزنه .. ولنترك البطل يصف لنا بنفسه تلك المشاعر الحزينة .. فيقول : —

— ماذا جنيت ليفعلوا بي ذلك .. انا لم أفسد أحدا .. ولم أوذى أحد .. لقد أردت أن أحيا لإسعاد الناس جميعاً .. أردت أن أحيا بينهم ، ومعهم ، لاكتشاف الحقيقة ، ونشر الفضيلة بين الناس .. فماذا كانت النتيجة ؟ .. لآ شيءٌ سوى أنكم تحتقرونى …

… ويمضى الرجل غير بعيد .. يحادث نفسه المعذبة ، الحائرة فى متاهات النفس البشرية .. إذ كانت وقدة الشجن يستعر أوارها في قلبه الطيب ، البريء من الدنس والأحقاد ، ويعلو لهيبها كلما تذكر ما فعلوه ، ووصموه به من ألفاظ قاسية .. تكاد تحرق فؤاده المرهف، الحساس ، المتسامح …

… وتتعالى أصوات العتاب ، فى أروقة نفسه المعذبة ، ويعاود تساؤلاته لنفسه .. فيقول .. : — هل يعني ما فعلته معهم ، أنني ( غبي — أحمق ) …

… وتبلغ بالرجل أعلى درجات الألم واليأس ، ويشتعل لهيب الحزن فى قلبه الطيب ، النقي .. فيقول فى أسي : —

.. ( لقد آن لى أن أختفي من حياتكم .. وحين أبتعد ، لن أخلف ورائي ذكرى .. لن أترك صدى .. لن أترك أثراً .. لن أنشر رأيا .. حتى لا تضحكوا منى بعد اليوم .. ولا تسخروا من غبى أحمق مثلي .. أنسوني من حياتكم .. أرجوكم أن تنسوني .. فلا تكونوا قساه ، وتذكرونني بالغباء ) …

… ولقد أراد الكاتب من خلال حواراته القوية ، أن يرسل رسالة إلى الشعب الروسي — حينئذ — مفادها أن الشعب هو الأبله ، وليس الأمير الطيب ، وذلك لأن الشعب عجز عن فهم طبائع القلوب الإنسانية النبيلة ، كما عجز عن فهم أن هذا الرجل النقي كان يستحق التقدير وليس التوبيخ ، أو التقليل من شأنه ، أو إهانته ، أو إهدار كرامته …
—————————————————

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى