
* أعظم دروس الحياة :
——————————-
بقلم الكاتب : عبد العزيز الطباخ
—————— ————————
… إن أعظم دروس الحياة هى تلك التي يتعلمها الإنسان من تجاربه المؤلمة .. هى لمن ذاق مرارة الحرمان .. هى لمن عرف قلبه الحزن والألم والشجن .. وزاقت نفسه ويلات الانكسار .. فهؤلاء هم أقدر الناس على الشعور بآلام الآخرين ، والإحساس بهمومهم ، ومشاركتهم أحزانهم .. لأنهم ذاقوا ويلات العذاب ، فأرادوا أن يجنبوا الآخرين ما كابدوه من مرار وذل وألم .. ..
…. ولقد يمر بالإنسان منا كثير من المواقف ، ودروس الحياة ، وعبرها التى لا تتوقف .. إلا أن بعضها قد يستغرق فكر وقلب الإنسان ، بل ووجدانه وكل مشاعره ، لأن فيها من الحكمة ما يجعل الإنسان يتوقف عندها كثيراً متأملاً دون أن يحتاج للتعليق عليها ، لأنها أكبر من الكلمات ، وأعمق من الحروف .. فلا يجد الإنسان بد من أن يتأملها فى تؤدة وفى تعمق لمعناها وسط صمت مؤلم تفور نيرانه وجمراته داخل النفس البشرية .. فنزداد ألما وعذابا ولهيبا .. ..
…. ولقد أبدع الكاتب الروسي الكبير ( ديو ستو يفيسكى) فى أحد حواراته الروائية فى روايته ( الجريمة والعقاب ) عندما ألقى الضوء على معاناة البشرية كلها فى سطور ، وقد نجح في هذا الحوار القوى : أن يصفع ضمير العالم كله من خلال وصفه لبطلة الرواية ( صوفيا ) تلك الفتاه الصغيرة التى عانت وتحملت الكثير ، وضحت بكل شيء .. سعادتها ، وجمالها ، وشبابها ، وصحتها ، من أجل إطعام إخوة لها من أبيها ، وأمهم المريضة بالسل .. هؤلاء الأطفال وأمهم المريضة ، كان الموت فقرا يترصد بهم .. وكانت صوفيا تلك الفتاة الرقيقة الجميلة الفقيرة هى ملاذهم الأخير لإنقاذهم من براثن الموت جوعاً .. ..
…. ويسترسل الكاتب فى حواراته الرائعة التى تأخذ بالألباب .. ليوجه عبارة فيها وصمة عار للبشرية بأكملها ، لأنها تخلت عن أسرة تتضور جوعاً .. فيقول لصوفيا : ( أنا لا أنحنى أمامك فقط .. بل أمام معاناة البشرية بأكملها ) ويستغرق الكاتب والأديب في مشاهده وإبداعاته .. فيقول لكل صاحب حزن : ( إن أعظم رجل في العالم ، هو صاحب أعظم حزن فى هذه الحياة ) .. ..
…. ولقد أراد الكاتب بحواراته الهادفة أن يصفع المجتمع الروسي ، وذلك بإلقاء الضوء وبشدة على مساويء هذا المجتمع فى هذه الحقبة من الزمان .. حيث التفاوت الفج بين الثراء الفاحش ، والفقر المدقع .. فيقول عبارة من أرق وأعمق العبارات موجهة للفتاة ( صوفيا ) : ( إن الجمال هو من سينقذ هذا العالم ) .. ..
…. والكاتب لا يقصد بالجمال هنا .. جمال الشكل أو الجسد .. بل يقصد جمال الروح .. الجمال بمعناه الشامل .. الجمال متجسدا فى عظمة إنسانيتها ، ورقيها ، وحنانها الجارف الذى دفعها للتضحية بكل شيء فى سبيل إنقاذ إخوتها غير الأشقاء وأمهم المريضة .. ..
…. حقا وصدقا … إن أعظم أنواع البشر .. هم الأدباء والكتاب والمفكرين والعلماء ، الذين يعبرون عن مكنون مجتماتهم ومعاناتها بكل صدق وأمانة ..
… تحية لكل قلم شريف ، نزية ، حر .. لا يبغى سوى الخير لوطنه و للجميع .. ..
…………………………………………………….




