مقالات
أخر الأخبار

ما بين الحزن والفرح شعرة

ما بين الحزن والفرح شعرة

بقلم: مستشار محمود السنكري

 

في أعماقنا تقيم مشاعر متناقضة لا تفصلها جدران ولا تحكمها حدود صارمة ، فكم من ضحكةٍ خرجت من قلبٍ مكسور وكم من عينٍ باكية خبأت خلف دمعها ذكرى سعيدة ، وما بين الحزن والفرح… شعرة لا تُرى بالعين بل تُحَسُّ بالقلب.

 

الحزن والفرح ليسا ضدَّين دائمين كما يخيل لنا بل هما وجهان لعملة واحدة تُسكُّ في قلب الإنسان منذ مولده فيولد الطفل صارخًا باكيًا في لحظة هي الأجمل لوالديه وتختلط فيها دموع الألم بدموع الفرح وكأن الكون يُعلن منذ البدء أن الحياة لن تُفهم إلا من خلال هذا التوازي الغريب بين الحزن والفرح.

 

نحن لا نعرف عمق الفرح إلا حين نذوق مرارة الحزن ولا نستشعر قيمة لحظةٍ سعيدة إلا حين نخسرها.

 

الفرح في جوهره امتنان عميق ، أما الحزن فهو إدراك الفقد وكأن الشعرة التي بينهما هي تلك اللحظة الحرجة التي ينقلب فيها الشعور في دواخلنا دون سابق إنذار ودون قدرة على التفسير.

 

في لحظة قد يغمرنا الحنين فنضحك من وجع الذكرى أو نبكي من فرط الامتنان فمثلا في حفلات التخرج تبكي الأمهات من الفرح وفي لحظات الوداع تبتسم الأرواح رغم الألم لأنها عرفت الحب يوماً ما.

 

إنها مفارقات الحياة التي تجعلنا بشراً ، تحكمنا الأحاسيس لا المنطق ويتجاذبنا صراعٌ دائم بين شمسٍ وقمر ،بين دمعة وابتسامة.

وقد يكون أجمل ما في هذه الشعرة بين الحزن والفرح هو هشاشتها فالهشُّ فينا هو ما يُبقي الإنسان حقيقياً ، المشاعر الخشنة لا تليق بالأرواح الشفافة لذلك حين نُكسر نلمع وحين نحزن نزداد فهماً وحين نفرح نزداد نقاءًا.

 

هذه الشعرة هي ما يمنح الحياة لونها ونكهتها وصدقها فهي التي تُحوِّل الصوت إلى لحن والكلمة إلى قصيدة والنظرة إلى رواية.

 

من رحم الحزن يولد الشعر ومن أعماق الفرح تنبع الموسيقى وكل فنان حقيقي يحمل في قلبه حكاية تقف على طرفي تلك الشعرة.

فاحذر أن تظن الحزن ضعفًا أو الفرح غفلة ففي كليهما يكمن سر البقاء وسر الإنسان ،

 

فإن بكيت اليوم قد تضحك غدًا من القلب ، وإن ضحكت الآن فاعلم أن في قلبك ذكرى ما كانت تؤلمك.

ما بين الحزن والفرح شعرة… لكن في تلك الشعرة تكمن الحكاية كلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى