مقالات
أخر الأخبار

ملف الطفولة الرقمية على طاولة البرلمان

ملف الطفولة الرقمية على طاولة البرلمان

بقلم د منى الرفاعى

تقنين استخدام الهواتف المحمولة للأطفال مدخل وقائي لمناهضة العنف الأسري بالمجتمع المصري

لم يعد الحديث عن الطفولة الرقمية رفاهية، ولا نقاشًا مؤجلًا، بل ملفًا عاجلًا فرض نفسه بقوة على طاولة البرلمان، في ظل تحولات متسارعة يعيشها المجتمع المصري، وتغيرات عميقة في سلوك الأطفال داخل البيوت وخارجها.

مشروع قانون تقنين استخدام الهواتف المحمولة والتطبيقات الإلكترونية للأطفال، لا يستهدف المصادرة أو المنع المطلق، بقدر ما يفتح بابًا جادًا نحو الحماية والوقاية، في زمن أصبحت فيه الشاشات شريكًا أساسيًا في تربية الأبناء، أحيانًا دون وعي، وأحيانًا دون رقابة.

الطفل اليوم لا يعيش فقط في عالمه الواقعي، بل في عالم افتراضي مفتوح بلا حدود، يتلقى فيه القيم، ويتشكل وعيه، ويتعلم أنماطًا من السلوك قد تحمل عنفًا لفظيًا أو نفسيًا أو سلوكيًا، ينعكس لاحقًا داخل الأسرة نفسها. وهنا يصبح الهاتف المحمول أداة مؤثرة، قد تبني وقد تهدم، وفقًا لطريقة الاستخدام ودرجة الإشراف.

تقنين الاستخدام لا يعني تقييد الحريات، بل وضع أطر واضحة تحمي الطفل من محتوى غير ملائم، وتحمي الأسرة من تداعيات خطيرة بدأت تظهر في صورة عزلة، تمرد، عدوانية، وتآكل لغة الحوار داخل البيوت. وهي مؤشرات لا يمكن فصلها عن تصاعد أشكال العنف الأسري غير المباشر، الذي يبدأ بصمت وينتهي بانفجار.

المجتمع الذي يستشرف مستقبله، لا ينتظر الكارثة ليتحرك، بل يضع التشريعات الوقائية قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة مزمنة. ومن هذا المنطلق، يمثل مشروع القانون خطوة استباقية لإعادة التوازن بين التكنولوجيا والإنسان، وبين الحداثة والمسؤولية.

فالطفولة الرقمية تحتاج إلى وعي تشريعي، وتكامل مجتمعي، يشارك فيه البرلمان، والأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، لضمان تنشئة جيل قادر على استخدام التكنولوجيا دون أن يكون أسيرًا لها، وجيل محمي نفسيًا وسلوكيًا داخل أسرته.

إن حماية الطفل اليوم، هي حماية للمجتمع غدًا.

وأي تشريع يُبنى على هذا الوعي، هو استثمار حقيقي في أمن المجتمع واستقراره، قبل أن يكون مجرد قانون يُضاف إلى دفاتر التشريع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى