
* لمن أشكو كآبتي :
—————————
بقلم الكاتب والمحامي : عبدالعزيز الطباخ
————————— ——————–
…. إن بعض أحزان الحياة قد تصل ذروتها إلى الحد الذي لا يجدى معها كلمات الرثاء والعزاء .. يحدث ذلك عندما يفوق الألم طاقة الإنسان وقدراته .. يحدث ذلك عندما يفشل الإنسان فى التوافق والانسجام مع واقع تشتعل نيرانه فى أعماقه ، وكأنها حرب تدور رحاها بينه وبين نفسه .. يحدث ذلك عندما لا يجد الإنسان من يأخذ بيده ويواسيه ويؤازره .. نعم : (كم نحن ضعفاء أمام الألم إلا من رحم ربي ) .. ..
…. هنا يكون الإنسان فى أمس الحاجة إلى من يأخذ بيده .. يواسيه ، ويقدر ألمه .. ويحترم حزنه .. يحتاج إلى من يعطيه الأمل .. إلى من يخبره بأن شجرة اليأس مهما علت ، وتشعبت فروعها ، وتجذرت جذورها ، فلابد من نافذة أمل ، فلكل إنسان في الحياة جانب مضي ربما لم يدرك ذلك بعد ، وربما لم يحن الوقت لرؤية هذا الضوء .. فلنثق في رحمة الله ، وفي قدرته على تغيير واقعنا المؤلم …
…. ولقد قال أحد الخبراء في فن الحياة لصديقه ذات يوم عند زيارته له في مرضه ، وكان قد أصابه اليأسً من حياته : —
* ( أنا لم آت إليك لأعطيك شيئا .. بل أتيت إليك لأخرج من داخلك شيئاً جميلا لم تنتبه أنت إليه ولم تعرف أنه موجود بداخلك ) ..
وهو ما عبر عنه / كاتبنا الكبير ( نجيب محفوظ ) فى أحد حواراته .. ( قد أنسي ما قالوه لى يوماً ، ولكنى لم أنسي ما جعلونى أشعر به )
…. نعم .. عندما يكون الإنسان على حافة الهاوية والانكسار ، فحاجته للحنان والكلمة الطيبة العطوفة ، تكون أولى من حاجته إلى العتاب أو النصيحة .. ولقد جعل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من عبادة جبر الخواطر دستوراً ومنهجا وسلوكا فى كل نواحى حياتنا .. فكان يجبر بخاطر اليتامى والأرامل والمساكين ، ولقد جلس بجوار طفل يواسيه لفقد عصفوره .. كما نعلم جميعاً .. وغيرها الكثير
** وفى الرواية العالمية ( لمن أشكو كأبتي ) : —
——————————————————-
… للكاتب الروسي ( تشيخوف ) والذى أشتهر بكتاباته الإنسانية الراقية .. أتذكر حوارا حزيناً فى هذه الرواية .. لم أنساه حتى اليوم .. رغم مرور فترة طويلة .. يصف لنا في هذا الحوار العبقرى ويجسد لنا مدى الألم الذى يشعر به الإنسان عندما يجد نفسه وحيداً في مواجهة أعاصير الحياة .. فيروى لنا : أن بطل هذه الرواية ( حوذى ) عجوز ..( أى صاحب حنطور ) .. قست عليه الأيام ، و هو رجل فقير يكافح من أجل لقمة العيش ، ولكى ينفق على إبنه الطفل الصغير .. الذى ليس له أحد فى الحياة غيره .. ..
… وفى يوم من الأيام يمرض هذا الإبن .. فيذهب به والده الحوزى إلى إحدى المستشفيات المتواضعة .. وفى اليوم الثالث يذهب الحوزى كعادته إلى المستشفى للاطمئنان على إبنه .. فتخبره إدارة المستشفى بوفاته .. هكذا يموت الفقراء دون أن يشعر بهم أحد .. ..
… ويمضى الحوزى أياما فى بيته مكتئبا حزيناً على إبنه .. يبكى من كان مصدر بهجته وسلواه .. يبكى من كان يشاركه اللقمة والشربه .. يبكى من كان يضحك معه ويتسامر.. يبكى من كان ينتظر اليوم الذى يحمل عنه هم المعيشه ، ويواريه الثرى ذات يوم .. ..
… وطالت ليالى الحزن على العجوز البائس الفقير .. فنحن حين يغمرنا الحزن لفقد حبيب أو عزيز .. لا نبكى فقط على فقده ، بل نبكى أيضاً على أنفسنا .. نبكى على من كان يوماً مصدراً لسعادتنا وسلوانا وبهجتنا .. نبكى على من أحببنا الحياة من أجله ..
…. ولما كان الحوزى فقيراً .. فقد أضطر رغم حزنه الكبير أن يغادر منزله إلى العمل .. وكان يوماً أليما .. إذ لم يجد من يقدر حزنه على ولده ، أو يتقبل شكواه ولو بكلمة رثاء .. فكلما ألتقي بأحد من الركاب أو فى الشارع ، يقول له برنة حزينة : ( إن ابنى مات ) ..
( هل تدرى كيف مات ) .. ( يبدو أنها كانت حمي شديدة ) .. ولكنه لم يجد أحدا يشعر بألمه أو يواسيه .. فالبعض قال له : ( كلنا هنموت ) ..
والبعض ( لم يلتفت إليه ) .. والبعض قال له فى تجهم : ( أسرع لقد تأخرت عن العمل ) .. والبعض من السكاري ( سخروا منه .. وضحكوا عليه ) .. ..
…. كان الرجل يستجدى من الآخرين مالا يكلفهم شيئاً .. كان يستجدي منهم كلمة رثاء تخفف عنه مآ ألم به من مصاب ، أو يدا تمسح دموعه المتساقطة علي خده ، أو نسمة تطفي نار الحزن المستعرة بداخله .. فترك ذلك فى نفسه رنينا حزيناً بائسا .. حقاً : (يسخر من المجروح من لايعرف الألم ) .. وعاد الحوزى فى نهاية اليوم ، والنهار يحتضر ، والشمس توارى وجهها كاسفة لتأوى إلى مضجعها حزينة لما آلت إليه حال البشر .. وكأن الإنسانية قد نحرت بسكين بارد ، وسالت دماؤها .. ثم دفنت وأهيل عليها التراب …
…. وهاهي رياح اليأس تشتد ، ويستعر أوارها فى قلب الرجل .. فلقد أصاب الحوزى فى ذلك اليوم من الحزن أضعاف ما أصابه لفقد ولده .. ولم يجد الحوزى سوى حصانه يبثه شكواه ويخبره بلواعج حزنه .. فأخذ يحادثه محتضنا إياه .. باكيا .. منهارا .. قائلاً له : ( لقد مات ابنى .. ) .. وازداد بكاؤه ونحيبه عندما تخيل أن الحصان شعر بألمه وشاركه حزناً بحزن .. حتى أنه شاهد دموعه تترقرق في عينيه …
…. لقد قضت الحياة على الحوزى أن يشاهد موته فى حياته .. لقد تجاهله العالم .. وعبرت الإنسانية فوق جثته .. .. لو كان هؤلاء الحيارى والمهمومين والفقراء من وجهاء القوم .. لوجدوا من يواسيهم أو ينافقهم .. ولكنها تناقضات البشرية من قلة الإيمان والتقوى .. إن أمثال هؤلاء يعيشون حياتهم كالموتى ، ثم يموتون دون أن يدرى بهم أحد .. ..
…. لقد أبدع تشيخوف فى تصويره لبشاعة المجتمع الروسي فى هذه الحقبة من الزمان .. ثم يقول فى نهاية حواره الإنسانى الراقى .. هل فقدنا الحس الإنسانى الذى يشفق لمأسي الآخرين .. لقد أصبح الموت شيئاً عاديا فى حياتنا .. وأنهى تعليقه .. قائلا : —
( نحن من نصنع وحدة الأخرين .. ونحن من نصنع أحزانهم وآلامهم )
——————————— ———————————-
… لقد كتب تشيخوف هذه القصة منذ قرن ونصف من الزمان .. وربما لم يكن يدرى أنها ستشبه فى بعض جوانبها حياتنا ذات يوم ، بكامل تفاصيلها ووحشتها وقسوتها .. وأن الكثيرين سوف يعيشون عيشة هذا الحوزى من الوحدة والوحشة والفقر .. ..
… ترى … هل كان تشيخوف الكاتب الإنسانى العظيم محقا فى حواراته هذه ، متنبأ لما ستؤول إليه البشرية ذات يوم .. ؟
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””




