مقالات
أخر الأخبار

طائر الليل الحزين :

كثيراً ما نحتاج فراغا يشبه الصمت .. لآ حديثا ، ولا كلاما ، ولا همسا ، ولا ضجيجاً .. نحتاج إلي لحظات تتوقف فيها الحياة ، نراها تسير من أمامنا ، نشاهدها كما نشاهد بأنفسنا قطار العمر وهو يعبر طريق حياتنا ، ونحن زاهلين لا نملك من أمرنا شيئاً ، ولا نستطيع أن نوقفه ، أو نلتمس منه أن يتمهل بنا …

… نحن نحتاج في بعض مراحل حياتنا الي سكون كسكون الشجر في غياب الريح .. فنستسلم لهمسات الصمت ، ونغماته الشجية ، ونستعذبه ، ونستلذه ، ونستأنس به ، ونطمئن إليه .. وفى لحظات الخلوة ، والتأمل ، والاستغراق : نستطيع أن نفكر ، وأن نگتب ، وأن نعيش كما ينبغي أن نعيش .. بعد أن تفتحت أمامنا أبواب العالم ، بلا ضجيج ، ولا قيود ، ولا أسماء ، ولا أسوار .. فقط نغمض عيوننا ، ونرخي عقولنا ، ونفتح قلوبنا …

… وفي الخلوة : نصغي لحديث القلب ، ومناجاة الروح .. نتنفس خارج أنفسنا بلا أصفاد ، ولا قيود .. أما العقل المتأزم ، والمنشغل دائماً ، فلندعة يستجم من عناء البشر ، ومن وعثاء الكد والسفر …

… وهآ أنذا .. وفي عزلتي عن العالم : تسعدني خلوتي .. لأني ما زلت أتأمل .. وما زلت أفكر .. وما زلت أتناغم مع روعة ما خلق الله من جمال الطبيعة .. ومازال قلبي ينبض بالجمال الداخلي ، فيمتد إلي الكون ، وجميع ما خلق الله من كائنات .. فأشعر بما لآ أشعر به وقت الضجيج …

… وهآ أنذا : أنظر إليك ــ أيها الطائر المغرد فى السماء , أتلمس الحديث معك ، وأنصت لألحانك …

… تري أيها الحبيب : ما الذي أيقظك فى جنح الليل .. وما الذي دعاك لترك وكرك الدافيء .. أي نبأ جئت تنبؤني به .. وأي حلم راودك في نومك ، وأرسلك إلي فى عجالة .. هل هناك ما يؤرقك أو يحزنك أو يشجيك …

… تري أيها الطائر العزيز : لما تغريدك الليلة يشجيني : هل فقدت عزيز ، أم هجرك حبيب ، أم خذلك صديق .. أم أنك ترغب فى مشاركتي وحدتي .. هل يشجيك أنين صمتي ، أم يؤلمك طول إبتعادي ، أم تستأنس بصحبتي …

… ربما تسألني أيها الطائر الحبيب في الليل الطويل عن حالي .. وأين كنت من حديثي .. وربما تسألني : لم هذا الإقبال المباغت في الكتابة ــ بعد هجر وسكون وشجون ــ وكيف صنعت من الحروف وترا يهتز لسماعه الغادين والراحين .. وأي حمي دفعتني للكتابة بعد قرار الإنقطاع والرحيل .. يبدو أنه شيء في نفسك قد كتمته أياما وأسابيع ، فأثقل عليك ، ولما ضاقت به نفسك ، أسررت بسرك المخبوء ، وتخففت من ألمك المدفون …

… آه … من لحظات النجوي .. ومن نداء المجهول .. وآه .. من رثاء النفس ، ومن غربة الروح كلما ضاقت بها الظنون .. وآه .. من نداء الرحيل في الليل الطويل …

… أيها الطائر الحزين : تري … هل هناك من يسمعني غيرك ، وهل هناك من ينصت لي أو يشعر بي .. فالبعض يتخيل أن ما يضيق به صدري ، هو وهم كاذب وسراب .. فأضع يدي علي نبض قلبي ، فأسمع أنينه ، وأسمع شكواه .. فأعرف أنه مازال حيا ، ومازال يشعر ، ومازال يحب من يؤثره ، ويبتعد عن من يذهده أو يؤلمه ، أو يسيء الظن به .. ثم أنظر إلي صفاء المرآة ربما أري حقيقة شعوري ، وما تنطق به نفسي .. تلك المرآة التي تحسن الإفصاح عما في الوجوه والعيون .. غير أنها تعجز عن ترجمة مافي القلوب ، أو تعكس ما في الضمائر والنفوس …

… أيها الطائر المغرد فى فسيح الفضاء .. أكاد أسمع خفق جناحك ، ورنات نحيبك .. أكاد أسمع آهاتك ، تلك الآهات التي يرسلها فى الهواء صدى صوتك العذب الرقيق ، تثير فى النفس عواطف شتي لآ يعرفها إلا من استيقنت نفسه أن كثيراً من مشاعرنا الجميلة تخترق كل الحواجز والجسور ، لتستقر في قلوب أدركت معني الحياة ، وذاقت جمال اللحظة ، وعاشتها حتي ولو كانت مزيجاً من اليأس والرجاء ، ومن الألم والأمل …

… إن لي بهذه الخيالات والخواطر عهداً وميثاقا .. أتفهم دائماً إلحاحها للإقتراب والدنو مني .. إنها خواطر تلح في نفسي ، وتمس شغاف قلبي .. والأيام تمضي تتبعها الليالي .. فأقول فى نفسي ليتني أستحيل ظلا ، لكي أفهم حديث الظلال ، وأترجم حروف الخيال ، ونسيم الصباح .. ليتني أستحيل نورا ، فأفهم لغة الليالي ، وصدي شدو الطيور …

… مذ رأيتك أيها الحبيب .. إزددت حبا للحياة .. وإذا كنا نعجز عن تغيير قبح العالم ، فلن نعجز عن تغيير موقعنا منه .. يمكننا دائما أن نفعل ذلك .. عندما ندرك معني الحياة ، ومعني الجمال الحقيقي …

… وأود أن أذكر هنآ عبارة من أجمل ما قرأت ــ للكاتب الفرنسي ( غيوم ميسو ) فى روايته ( عائد لأبحث عنك ) .. إذ يقول : ــ

* أسرعوا للحياة .. أسرعوا للحب ..
* فنحن لآ نعلم ما هو الوقت المتبقي لنا …

… فالكاتب لا ينظر للحب كترفا ، أو حالة رومانسية ، بل كقوة قادرة علي إنقاذ النفس من الإحباط واليأس.. فحبنا للحياة هو من يمنح لحياتنا معني ، هو من يعطينا سببا للعيش رغم القسوة ورغم الألم .. نحب كل شيء ، حتي ولو كان هذا الحب للطائر الذي أحببته ، والذي أشعرني الآن بجمال خلق الله ، وأن الحياة تستحق أن تعاش .. فلن يحبنا شيء إلا بقدر ما نحبه ، وبادلناه حبا بحب ، حتي ولو كانت جدران صماء …

… نعم : أسرعوا للحياة .. أسرعوا للحب .. فنحن لآ نعلم ما الوقت المتبقي لنا …

بقلم الكاتب والمحامي : عبد العزيز الطباخ

******************

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى