حوادث

ضحى.. حكاية إنسانة انتهت في شنطة سفر

 

كتبت نادية صالح

في واقعة هزّت الرأي العام وأعادت فتح جراح الإهمال المجتمعي، قررت نيابة باب شرقي حبس المتهم في قضية إنهاء حياة ضحى، ضحية الإسكندرية، أربعة أيام على ذمة التحقيقات، مع إخلاء سبيل سائق التاكسي وبائع الهاتف المحمول بعد ثبوت حسن نيتهما.

القضية التي تصدرت مواقع التواصل لم تكن مجرد جريمة قتل، بل مأساة إنسانية مكتملة الأركان، بطلتها فتاة لم تطلب من الدنيا سوى الأمان.

ضحى، 33 عامًا، من محافظة الفيوم، نشأت داخل أسرة بسيطة تضم أبًا وأمًا وثلاث شقيقات، وكانت الوحيدة من ذوي الهمم منذ طفولتها.

أمها كانت عالمها كله، تعوضها عن قسوة الحياة بحنان لا ينضب، حتى رحلت، لتبدأ معاناة ضحى الحقيقية.

بعد وفاة الأم، انقلبت الحياة رأسًا على عقب.
تدهورت حالتها النفسية، وواجهت قسوة الأب الذي حاول طردها مرارًا والتفريق بينها وبين شقيقاتها، حتى بعد زواجهن.

حاولت ضحى أن تعيش مع إحداهن، لكن الأبواب أُغلقت في وجهها، فاختارت الهروب من واقع لم يحتمل ضعفها.

عام 2022، وصلت ضحى إلى القاهرة، وهناك عثرت عليها دار زهرة مصر وهي تنام متخفية بالنقاب على سلالم رمسيس.

احتواها القائمون على الدار، وبدأت مرحلة جديدة في حياتها.

ظهرت في فيديوهات بسيطة مليئة بالبراءة، وشاركت في برامج تلفزيونية، وكان واضحًا أنها لا تزال تحمل جراحًا نفسية عميقة.
تلقّت علاجًا نفسيًا، وتعلّق بها الجميع، وأحبتهم بصدق.

لكن رغم الرعاية، ظل قلبها معلقًا بأسرتها.
كانت تردد: “وحشتوني، نفسي أشوفكم”، رسائل خرجت على الهواء، لكنها قوبلت بالصمت.
لا اتصال، لا سؤال، لا عودة.

في سبتمبر، أُغلقت الدار، واضطرت المسؤولة عنها للتواصل مع أهالي النزلاء.

والد ضحى رفض في البداية،
ثم استلمها خوفًا من المساءلة القانونية، لتعيش معه أربعة أشهر فقط، قبل أن يطردها مرة أخرى.
خرجت ضحى إلى الشارع من جديد، وهذه المرة إلى الإسكندرية، تبحث عن شقة صغيرة تقيها ذل الرصيف.

هناك، في فجر أحد الأيام بشارع خالد بن الوليد، قابلت شخصًا يعمل بأحد المطاعم الشهيرة. أوهمها بالأمان، واصطحبها إلى شقته، ثم اعتدى عليها وسرق حقيبتها التي كانت تحتوي على 8200 جنيه وهاتفها المحمول.

حين هددته بالإبلاغ إن لم يُعد ما سرقه، قرر إسكات صوتها للأبد. خنقها بوسادة حتى فارقت الحياة.

وبعدها اشترى شنطة سفر بأموالها، ووضع جثمانها بداخلها محاولًا التخلص من جريمته.

استوقف سيارة تاكسي وطلب من السائق التوجه إلى منطقة الجمارك لإلقاء الحقيبة، مدعيًا أن بداخلها سمكًا بسبب الرائحة.

وقبيل أحد الأكمنة الأمنية، ترجل مسرعًا بحجة حيازته ممنوعات، وترك الشنطة خلفه في منطقة الأزاريطة.

لم تمر الجريمة في صمت. عثر الأهالي على الشنطة، وبداخلها جثمان ضحى، لتتحرك الأجهزة الأمنية سريعًا.

قادت الكاميرات إلى سائق التاكسي، ثم إلى بائع الهاتف، وصولًا إلى المتهم الرئيسي الذي أُلقي القبض عليه.

رحلت ضحى، لكن قصتها بقيت شاهدًا موجعًا على كيف يمكن للإهمال الأسري والمجتمعي أن يقتل قبل القاتل، وكيف أن إنسانة ضعيفة، لم تجد من يحتويها، انتهى بها الحال ضحية جريمة بشعة.

ضحى لم تكن مجرد اسم في محضر، بل روح كانت تبحث عن بيت… فوجدت شنطة سفر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى