مقالات
أخر الأخبار

زمن الجهل الجريء… حين يتحدث من لا يعلم ويصمت من يعلم

زمن الجهل الجريء… حين يتحدث من لا يعلم ويصمت من يعلم

بقلم: د. سامح فرج حموده – باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.

 

لم يعد الجهل مستترًا كما كان في الماضي، بل صار صاخبًا، عالي الصوت، واثق الخطى. في زمنٍ مضى، كان الجاهل يلوذ بالصمت، ويخجل من النقص، ويسعى لتكميله بسؤال من هو أعلم منه، أما اليوم فقد أصبح الجهل رأيًا شخصيًا مقدسًا، تُنشر حوله المنشورات، وتُبنى عليه البرامج، ويُتبعه آلاف بل ملايين المصفقين.

لم نعد بحاجة إلى أدلة كثيرة لنثبت أننا نعيش مرحلة غريبة من الانقلاب القيمي؛ حيث صار من لا يعرف الفرق بين المعدة والكبد ليتحدث عن الطب، ويخوض من لم يُكمل تعليمه في علوم الفضاء والطاقة النووية. باتت الشاشات مفتوحة لمن لا يملك مؤهلاً، والمنصات الرقمية تُمنح لمن يملك لسانًا سليطًا لا عقلًا راشدًا.

في خضم هذا التغير، اختفى الحياء المعرفي، وتوارى طلب العلم خلف جدار من الغرور والإعجاب بالذات. وأصبح من يلتزم الصمت حتى يتعلم يُنظر إليه وكأنه ضعيف، بينما يُصفق لمن يتحدث بثقة وإن خالف العقل والمنطق.

لم يعد الحرام يخيف كما كان، بل صار مجالاً للتفاخر، ومادة للتندر، وعلامة على “الذكاء الاجتماعي”. من يلتزم الصدق والاستقامة يُتهم بالغباء، ومن يحتال أو يلتف على القوانين يُكرم بلقب “شاطر وبيعرف يعيش”. وهكذا، شيئًا فشيئًا، تآكلت المبادئ من تحت أقدامنا، ونحن نضحك.

وعندما يضيق الصدر اليوم، لا يهرع صاحبه إلى مسجد أو شيخ حكيم، بل يفتح هاتفه، ويكتب منشورًا يطلب فيه مواساة من غرباء لا يعرفهم، بينما يقف بعيدًا عن كل من يعرفونه حقًا. لم تعد الثقة في الأهل أو الأصدقاء موجودة كما كانت، فقد كفر الناس بالنصيحة، وأصبحت الخصوصية سلعة رخيصة على قارعة الفيسبوك.

نحن لا نعيش أزمة تقنية، ولا زمنًا غريبًا كما ندّعي، بل نعيش أزمة داخلية… خللاً في فهمنا، وغيابًا في تفكيرنا، وابتعادًا مؤلمًا عن فطرتنا التي فطرنا الله عليها. المشكلة ليست في الهواتف أو في الإنترنت أو في الزمن، بل فينا نحن، في عقول لم تُغذَّ بالمعرفة، وفي نفوس لم تُربَّ على القيم.

لقد خدعنا أنفسنا حين ظننا أن المدنية تعني أن نخلع المبادئ، وأن الحرية تعني الفوضى، وأن التقدم لا يأتي إلا بالقطيعة مع الأصالة. ولهذا صرنا نرى أجيالًا تعاني التشتت والضياع، لا تعرف مرجعًا، ولا تهتدي ببوصلة.

نحن في حاجة إلى إصلاح عميق، لا يبدأ من الخارج بل من الداخل. إلى عقول تفكر، وقلوب تعقل، وإرادة تنشد النور في زمن يطغى عليه الضجيج. نحتاج أن نوقظ أنفسنا من وهم الحداثة الذي خطف عقولنا، ونعيد ترتيب أولوياتنا من جديد، قبل أن نصحو ذات يوم على واقع لا نعرف فيه الحق من الباطل، ولا الصواب من الزيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى