دماء العذاري .. ودموع الحياري

بقلم الكاتب والمحامي : عبدالعزيز الطباخ
—————————- ———————
… ليت شعري .. هل أقول قصيدة .. أم أصيغ مقال .. أم أذرف الدمع الهتون .. أم أريح النفس بالصمت والسكون .. ولكن إلي متي يغفو الصمت ، وتنام الحقيقة ، ويتواري السكون …
… إنها .. صورة قاتمة .. بشعة .. مشوهة .. مخزية .. كريهة .. من صور الحياة فى بعض مجتمعاتنا .. تتراءي لنا فى كل يوم ، وفى كل مكان ، تطل علينا بوجهها العابس ، القبيح .. فتلقي بظلالها الداكنة على سماء حياتنا .. فتصيبنا باليأس ، والزعر ، والإحباط .. وتهيم بنا فى كل واد من أوديتها المعقدة ، المتشابكة .. وتستغيث بنا بلهيب مستعر .. وتهيب بنا أن نتعمق فى أسبابها النفسية ، والإجتماعية ، والبيئية ، كي نتخلص منها ، ونستخلص منها دروسا وعبر .. دروسا شديدة الوطأة على ذوى النفوس المريضة ، التى لا ترتوى إلا من عرق الذل والهوان ، وإهدار آدمية الإنسان .. ولكن يؤسفنا أننا لا نتعلم الدرس أبداً ، ويبدو أننا لن نتعلمه ، مهما إرتوي الطريق من دم العذاري ، ومن دموع الحياري …
… وأتساءل .. وسأظل أتساءل : أتساءل وفي الحلق غصة ، وفى الحشا لهيب مستعر : —
* لماذا تظل الحياة مؤجلة فى وجوه الكادحين والبسطاء .. ولماذا تتسابق يد الموت لحصد أرواحهم ، بينما تبتسم الحياة في وجوه اللصوص ، وسارقي الأقوات …
* كيف ، ومتي نهدم كهوف الظلام المعتمة على رؤوس بانيها .. ونرمم جروح الضعفاء ، والحزاني ، والمقهورين ، ونجبر بخواطرهم المنكسرة ، وهم يسابقون أقدارهم للحصول على عمل شريف وسط أمواج الحياة الهادر ، وتقلبات الزمن ، بعد أن أشاحت الشفقة بوجهها عنهم ، وتركتهم لمصير مجهول …
… فهناك كثير من البشر يحملون همومهم على كاهلهم كل صباح سعياً حثيثا وراء لقمة العيش .. تحترق أنفاسهم بلهيب القلق والمعاناة .. بل تتوق نفوس بعضهم إلى عبير الموت ، يأسا ، وبؤسا ، وضجرا .. يحتلبون من ثدي الحياة مرارتها ، وقسوتها .. مما ينطبق عليهم مقولة الكاتب المسرحي الروسي ” أندرييف ” على لسان إحدى شخصياته المسرحية : —
.. إنني أدير ناظري حول الأرض ..
.. فلا أري أبشع من حياة الإنسان ..
… وإذا كان الألم قد يؤدي إلى الجنون أحياناً — كما يقول أحد الكتاب — فالأشد من الألم أننا لا نرى الألم بأعيننا ، ولكننا نري الجنون بعينه ممثلا في كثير من البشر …
… إن الإنسان التائه في بيداء الحياة .. الضائع فى دروبها .. قد يعثر على نفسه ، أو بقايا منها في الآخرين ممن أشفقوا عليه ، وشعروا بمعاناته ، ويجد فى تقاربهم منه ، وإحساسهم به نوعاً من الإنسانية ، والراحة ، والغبطة حتي ولو كانت وقتية .. فتعيد إليه الأمل من جديد ، وتشعره بآدميته ، فيبدو كطفل محروم قد صادف بعضاً من حنان الطفولة … ولكن مآ العمل إذا لم يصادف هذا الإنسان البئيس من يتلمس فيه بعضاً من هذا الحنان ؟ …
… وأمثال هؤلاء الكادحين ، والمهمومين ، ينشدون الخلاص من هموم الدنيا ، ومن براثن الفقر ، هروبا إلى واحة الأحلام ، وروضة الأماني .. لعلهم يصادفونها يوما .. ولكن الأحلام ؛؛ حتي الأحلام ضنت بنفسها عليهم ، فردوا عن الأمل خائبين ، فيرددون فى أنفسهم : —
… ” طوبي لمن لم يولد بعد ” …
… إن الألم الذي يعتصر قلوب ذويهم ، ولآ تفصح عنه دموع العين ، وتعجز عن صياغته الكلمات .. يظل يعتمل فى داخلهم ، وبين حناياهم .. يؤرقهم ، ويقض مضجعهم ، ويعذبهم عذابا شديداً …
… فمن ذآ الذي يبصر هذا الإهمال الجسيم الذي تسبب فى إزهاق أرواح طاهرة بريئة فى سن الزهور .. خرجوا يعانقون وجه الأمل مع إشراقة الصباح ، ومن الذي يبصر هذا المشهد الأليم ، ولآ يصرخ من أعماق قلبه ، أو ينصت لنداء روحه .. لقد رآن علي قلوب البعض منا صدأ الزمان .. فعميت أبصارهم عن رؤية الحقيقة .. حقيقة من ينشدون الخلاص من براثن الفقر ، والإحتياج بعد أن برح بهم اليأس ، وأغرقتهم الهموم …
… إن الحياة لآ تنهل إلا من ينبوع الحاضر .. فلآ يمكن للزمان أن يعود مرة أخري .. ولكنه حتما سيعود بشكل آخر لا يخطر على بال أحد ، ليقتص لكل ضحية أو مظلوم …
… هنآ … وهنآ فقط … وفي هذه اللحظة السرمدية فى حياة كل إنسان .. يتعانق الماضي مع الحاضر لصناعة تاريخ ، وسيرة كل إنسان ، وما قدمت يداه .. وتحكي لنا دروس التاريخ الغابرة ، كيف يكون القصاص عادلاً ، وحاسما ، ومؤلما لأمثال هؤلاء .. وفى دروس التاريخ عبرة وعظة لمن يتعظ .. ومن لا يتعظ سوف تدوسه أقدام التاريخ بلا رحمة ، ويصير عبرة لمن لا يتعظ …
… وليس فى مقالي مجالاً للشهرة أو تصفية حسابات .. ولكنها أمانه الكلمة ، وصدق المواقف .. وبغرض إلقاء الضوء على مساوئنا ، و مآسينا ، وعيوبنا ، علنا نتخفف من بلوائها ذات يوم .. ورحم الله شهيدات لقمة العيش ، وربط علي قلوب ذويهم بالصبر والسلوان …
———————————————–
الكاتب والمحامي : عبدالعزيز الطباخ
( والمستشار الإعلامي لجريدة الصدارة الدولية )
——————————————————




