✍️ بقلم: الدكتور سامح فرج حموده
باحث في قضايا الإعلام والمجتمع
في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية التي تهز الضمير الجمعي، شهدت قرية كفر السنابسة التابعة لمركز منوف بمحافظة المنوفية جريمة مأساوية راحت ضحيتها زوجة شابة على يد زوجها، بعد أن خنقها بحبل أمام أعين طفليهما الصغيرين، في مشهد قاسٍ تجاوز حدود الخلاف الأسري ليكشف عن مأساة اجتماعية أعمق تتعلق بالفقر والضغوط النفسية والعنف الأسري الذي يتسلل إلى بيوت المصريين في صمت.
تفاصيل الحادث كما رواها الأهالي بدأت حين كانت الزوجة مغضوبة في بيت أهلها منذ ثلاثة أشهر، بعد خلافات متكررة مع زوجها. وبعد تدخل “قعدة عرفية” شارك فيها رجال من أصحاب الخير، تم الصلح بين الزوجين لمدة ثلاثة أيام فقط، ثم عادت الزوجة إلى منزلها بصحبة طفليها — ولد وبنت — على أمل أن تستعيد حياتها واستقرارها الأسري.
لكن القدر كان يخبئ لها نهاية مأساوية، فبينما كانت تتحدث مع زوجها في أمور المعيشة واحتياجات الأولاد، نشبت بينهما مناقشة حول الرغبة في العمل لمساعدة الأسرة بعدما ضاق الحال، إذ لم يعد الزوج قادرًا على الإنفاق كما ينبغي. إلا أن الحوار الذي كان يمكن أن يكون طبيعيًا بين أي زوجين تحوّل إلى مشادة حادة، انتهت بجريمة بشعة حين أمسك الزوج — ويدعى صبري عبدالفتاح مهدي حيضر — بحبل وخنق زوجته حتى فارقت الحياة أمام طفليها الصغيرين في عزبة الساحل المجاورة لمسجد الجوهري نصار بالقرية.
هرب القاتل بعدها من مسرح الجريمة، لكن لم يدم فراره طويلًا، إذ نجحت أجهزة الأمن في القبض عليه مختبئًا في منزل شقيقة زوجته بقرية “تتا وغمرين”، وتمت إحالته للنيابة العامة التي باشرت التحقيقات.
هذه الواقعة لا يمكن قراءتها على أنها حادثة فردية فقط، بل هي مرآة تعكس عمق الأزمات التي تضرب النسيج الأسري في كثير من القرى المصرية، حيث تشتد ضغوط المعيشة وتتزايد حدة الخلافات في ظل العجز المادي والبطالة وضعف التواصل بين الأزواج. فحين يتحول الحوار إلى صدام، والفقر إلى ضغطٍ خانق، يصبح البيت ساحة عنف بدل أن يكون مأمنًا.
الزوجة التي أرادت فقط أن تعمل لتعين أسرتها على الحياة، دفعت حياتها ثمنًا لرغبتها المشروعة. والزوج الذي فقد السيطرة على أعصابه لم يدرك أن غضبه سيهدم بيته إلى الأبد، ويترك طفلين يتيمين الشفقة والصدمة في وقت واحد.
إن مثل هذه الجرائم تستدعي من المجتمع وقفة حقيقية أمام واقع العلاقات الأسرية في القرى المصرية، حيث يسود الصمت والخوف من الفضيحة على حساب المواجهة والعلاج النفسي والدعم الاجتماعي. كما تستدعي تدخلًا عاجلًا من مؤسسات التوعية والإعلام، لزرع ثقافة الحوار والتفاهم، ومواجهة فكرة “الرجولة” المشوهة التي تبرر العنف ضد المرأة تحت مسميات واهية.
جريمة كفر السنابسة ليست مجرد مأساة جديدة تُضاف إلى سجل الجرائم الأسرية، بل هي صرخة مدوية تُحذّر من تكرار المشهد في بيوتٍ أخرى إذا لم نتحرك جميعًا — دولةً ومجتمعًا — لنشر الوعي، ودعم الأسر الهشة، وإنقاذ ما تبقى من دفء العلاقات داخل المجتمع المصري قبل أن يخنقها الغضب، كما خنق صبري زوجته أمام عيون أطفاله.