أمر يهمك
أخر الأخبار

كليات الإعلام.. من عرش التنسيق إلى قاع الاختيارات: أزمة تعليم أم سوق بلا أبواب؟

كليات الإعلام.. من عرش التنسيق إلى قاع الاختيارات: أزمة تعليم أم سوق بلا أبواب؟

بقلم: د. سامح فرج حموده – باحث في قضايا الإعلام والمجتمع

 

من كليات القمة إلى كليات المهملة.. رحلة سقوط صامت، وصرخة بلا صدى

قبل عقدين فقط، كانت كليات الإعلام في مصر تُصنّف ضمن كليات القمة التي لا يلتحق بها إلا نخبة الحاصلين على أعلى المجاميع، كانت بطاقة دخول عالم الإعلام حلمًا يراود آلاف الطلاب، وحين يُقال إن أحدهم يدرس “إعلام القاهرة”، تنهال عليه نظرات التقدير، أما اليوم، فقد هوت كليات الإعلام من فوق عرش التنسيق إلى ذيل القوائم، تنافسها كليات كانت يومًا في الظل، وسط تساؤلات حائرة: ما الذي جرى؟ وأين يكمن الخلل؟ وهل الإعلام لم يعد مغريًا؟ أم أن الخلل في الكلية لا في المهنة؟

أرقام لا تكذب: من 97% إلى 62%

في أوائل الألفينات، لم يكن بمقدور أي طالب يقل مجموعه عن 96% أن يحلم بإعلام القاهرة. أما في السنوات الأخيرة، فتراجع الحد الأدنى للقبول إلى أقل من 65% في بعض الكليات، بل أصبحت بعض كليات الإعلام الخاصة تبحث عن الطلاب ولا يجدونهم. وتراجعت أعداد المتقدمين للتنسيق، فيما ارتفعت أعداد المنسحبين بعد عام أو عامين من الدراسة.

السبب الأول: انهيار الثقة بين “الجامعة” و”الواقع”

أبرز أسباب الانحدار تكمن في انفصال المناهج عن السوق، حيث ما زالت بعض الكليات تُدرّس نظريات الستينات وكتبًا فقدت صلتها بالعصر، في زمن الذكاء الاصطناعي والمحتوى الرقمي، بينما يتجه الإعلام الحديث إلى أدوات مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، والمونتاج بالهاتف، والتقديم التفاعلي، لا تزال بعض الكليات تدرّس كيف تكتب خبرًا على الورق، ولا توفر لطلابها استوديو محترفًا أو تدريبًا عمليًا حقيقيًا.

السبب الثاني: التضخم الكمي والفراغ النوعي

شهدت السنوات الأخيرة توسعًا عشوائيًا في افتتاح أقسام وكليات إعلام في الجامعات الحكومية والخاصة دون معايير حقيقية للجودة أو الكفاءة، تحولت بعض الكليات إلى “ماكينة شهادات” بلا روح، وتخرج آلاف الطلاب سنويًا دون مهارات تؤهلهم لسوق إعلام متغير وسريع الإيقاع.

السبب الثالث: سوق العمل المتجمد

لم يعد الإعلام “بوابة مضمونة” للعمل كما كان سابقًا، فمؤسسات الإعلام التقليدي تعاني من أزمات مالية، وشركات الإنتاج تفضل أصحاب المهارات العملية لا خريجي النظريات، والعديد من الخريجين يعملون في مجالات لا تمت للإعلام بصلة، وهذا ما جعل أولياء الأمور يعيدون النظر: لماذا أُدخل ابني كلية إعلام ثم يجلس عاطلاً؟

السبب الرابع: صعود المنصات الرقمية.. وسقوط الكيانات الأكاديمية

جيل اليوم لا ينتظر الإعلام من الصحف أو الفضائيات، بل يصنعه بنفسه عبر فيسبوك ويوتيوب وتيك توك. فهل يحتاج إلى كلية إعلام؟ لقد أصبح كثير من المؤثرين الرقميين ينافسون المؤسسات الإعلامية الكبرى، وهم لم يدرسوا دقيقة واحدة في الجامعة، وفي المقابل، تقف الكليات عاجزة عن مواكبة هذا التحول الرقمي المهول.

السبب الخامس: غياب الرؤية الاستراتيجية

لا توجد رؤية واضحة للدولة بشأن مستقبل خريجي الإعلام، ولا تنسيق بين الوزارات المعنية (التعليم العالي، الثقافة، الإعلام) كما أن اعتماد المناهج والتقويم لا يتغير إلا ببطء شديد. الجامعات الخاصة تركز على “الدفع مقابل الشهادة”، بينما تفتقر الجامعات الحكومية إلى الإمكانيات والكوادر المؤهلة.

الحلول: هل من أمل للعودة؟

رغم سوداوية المشهد، فإن طريق الحل ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إرادة شجاعة:

1. إعادة هيكلة المناهج بالكامل، لتواكب الإعلام الرقمي والتفاعلي، وتدمج أدوات الذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى الحديث.

2. ربط الكلية بسوق العمل، من خلال الشراكة مع القنوات، وشركات الإنتاج، والمنصات الرقمية.

3. تدريب الأساتذة والطلاب عمليًا، وتوفير معامل واستوديوهات حقيقية.

4. فرض معايير جودة على افتتاح الكليات، والرقابة على الأداء الأكاديمي الحقيقي لا الورقي.

5. تشجيع مشاريع التخرج العملية، وتحويلها إلى محتوى رقمي حقيقي يبث عبر قنوات رسمية.

6. إطلاق بوابات توظيف رسمية لخريجي الإعلام، بالتعاون مع الوزارات والشركات الكبرى.

الختام: حين تفقد الكلية مكانتها.. تفقد المهنة هيبتها

سقوط كليات الإعلام ليس أزمة تنسيق فقط، بل هو انعكاس لأزمة أعمق في فهمنا لدور الإعلام في تشكيل وعي الشعوب، إنقاذ الكليات هو جزء من إنقاذ المهنة نفسها، واستعادة الثقة تبدأ من القاعات إلى الكاميرات.

فلنُجب على السؤال: هل نريد إعلامًا حقيقيًا… أم نترك الساحة للتريندات الزائفة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى