مقالات

الصحة… بوابة التقدم الاقتصادي والاجتماعي في مصر

✍️ تحقيق بقلم: الدكتور سامح فرج حموده ،باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.

في كلماته التي ألقاها رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي خلال فعاليات المؤتمر العالمي للصحة، لم يكن يتحدث عن الصحة بوصفها خدمة تقدمها الدولة فحسب، بل باعتبارها أساسًا يقوم عليه بناء المجتمع ونهضته، فحين قال إن “الصحة ليست مجرد حق أساسي للإنسان، بل ركيزة أساسية للتقدم الاقتصادي والاجتماعي”، كان يضع أمامنا رؤية شاملة تنقل مفهوم الرعاية الصحية من خانة الواجب الإنساني إلى مرتبة الاستثمار في الإنسان نفسه.

هذا التصور يعكس تحوّلًا في الفكر التنموي المصري خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد التنمية الاقتصادية تنفصل عن التنمية البشرية، ولم تعد جودة الحياة تقتصر على النمو في الأرقام والمؤشرات، بل على رفع كفاءة المواطن صحيًا ونفسيًا واجتماعيًا،فالاستثمار في صحة المصريين يعني بالضرورة الاستثمار في طاقاتهم الإنتاجية، وتقليل الفاقد من القدرات بسبب الأمراض أو الإعاقة أو ضعف الخدمات الطبية.

الواقع يشهد أن الدولة المصرية قطعت شوطًا كبيرًا في هذا الاتجاه، بدءًا من مبادرات “100 مليون صحة” و”حياة كريمة”، وصولًا إلى التوسع في إنشاء المستشفيات النموذجية والمراكز الطبية المتخصصة، وتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل التي تهدف إلى تحقيق العدالة الصحية بين المواطنين في الريف والحضر على حد سواء. هذه الجهود لم تعد مجرد مشروعات حكومية بل أصبحت سياسة دولة تنطلق من إيمانها بأن المواطن السليم هو حجر الأساس في بناء وطن قوي.

لكن رغم هذه الجهود، ما زال التحدي قائمًا في ربط الوعي الصحي بالثقافة المجتمعية اليومية. فالصحة ليست فقط أدوية ومراكز طبية، بل أسلوب حياة يتشكل من سلوك الفرد، وغذائه، ونشاطه، ونظرته للوقاية قبل العلاج، وهنا يأتي الدور الحيوي للإعلام في دعم مفهوم “الصحة المجتمعية”، من خلال حملات التوعية، وبرامج التثقيف الصحي، وتبسيط المعلومات الطبية للجمهور بطريقة تحفز على التغيير الإيجابي.

إن حديث رئيس الوزراء يفتح الباب أمام إعادة النظر في مفهوم التنمية ذاته. فالتنمية لا تبدأ من المصانع أو الطرق أو البنية التحتية، بل تبدأ من الإنسان القادر على الإنتاج والعطاء، وإذا كانت الصحة تمثل شرطًا أساسيًا للحياة الكريمة، فإنها أيضًا جواز مرور الدولة نحو المستقبل.

ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذا الخطاب هي أن الاستثمار الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الأموال المنفقة، بل بمدى ما تحققه من حياة أفضل للناس، فكل جنيه يُنفق في تحسين صحة المصريين هو في جوهره استثمار في مستقبل الوطن، وفي قوة اقتصاده، وفي أمنه الاجتماعي.

لقد آن الأوان أن ننظر إلى الصحة على أنها قضية وطنية كبرى، لا تقل أهمية عن الأمن أو التعليم أو الصناعة، فكما أن الجيوش تحمي الحدود، فإن المنظومة الصحية القوية تحمي المجتمع من الانهيار. ومتى أدركنا أن “الإنسان السليم هو ثروة الدولة الحقيقية”، نكون قد وضعنا أقدامنا بثبات على طريق التنمية المستدامة التي لا تقف عند حدود الحاضر، بل تمتد لتصنع مستقبلًا أكثر قوة وصحة وكرامة لكل المصريين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى