
الزواج المؤجّل… حين يغيب اليقين وتحضر ثقافة العجز.
بقلم: الدكتور سامح فرج حموده،باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.
في زمن طغت فيه المظاهر على المقاصد، تحوّل الزواج من سُنة محمودة، إلى مشروع مؤجّل، يُثقل كاهل الشباب ويُطفئ فيهم روح المبادرة، وما كان يومًا “سكَنًا” كما وصفه الله تعالى، صار لدى كثيرين همًّا مؤجلًا، ومطلبًا صعب المنال.
قال الله عز وجل: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”، فهل من السّكن أن يتحوّل الزواج إلى سباق في الطلبات، وتفاخر في التجهيزات، واستعراض في المناسبات؟ وهل من الرحمة أن يُكلَّف الشاب فوق طاقته، ويُحمَّل من الدين والهمّ ما يعطّل قلبه وعقله عن الطمأنينة والبناء؟
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير الخلق، يزوج أصحابه على أبسط ما يكون، تزوج عليٌّ رضي الله عنه فاطمة بنت رسول الله وليس له من الدنيا إلا سيفه ودرعه وناضحه، وكان المهر درعًا حُطِّمَ بعد الزواج.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير” (رواه الترمذي). فتنة… وفساد… هذه هي النتيجة الحتمية حين يُمنَع الحلال ويُعسَّر الطريق إليه.
أين نحن من وصايا السلف الذين جعلوا الدين والخلق أساسًا، وتركوا ما سوى ذلك لله؟ كانت بنات الصالحين تُزف إلى من يحمل من التقوى ما لا تحمله الجيوب.
إن تأخير الزواج بدعوى العجز المالي ليس دائمًا عذرًا مشروعًا، بل قد يكون في أحيان كثيرة ضعف يقين، وسوء ظن في الرزّاق الكريم. “إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ” (النور: 32).
وكم من بيوت بدأت على البساطة، وأظلّها رضى الله، فامتلأت خيرًا وبركة، وكم من زيجات بنيت على التكلّف والتفاخر، فأُطفئت أنوارها سريعًا، لأن ما بُني على استعراض لا يدوم.
الزواج ليس معركة تُخاض، بل رحمة تُرجى. وليس عبئًا يُحمَل، بل سكنٌ يُؤوى إليه. والمؤمن حين يعزم ويتوكل، لا يردّه فقر، ولا تهزمه قلة.
آن للمجتمعات أن تعيد النظر، أن تخفف، أن تُيسِّر، أن تزرع الثقة لا الخوف، فزواج اليوم ليس مشروع فرد، بل إنقاذ لجيل.




