منوعات

مفهوم جودة الحياة وآلية تحقيقه (رؤية من كتاب حمدي الشريف)

بقلم
د/ آيات عبد الرحيم سيد
دكتوراه في الفلسفة السياسية

مما استوقفني وأثار انتباهي عند قراءتي لكتاب أستاذي الدكتور حمدي الشريف أستاذ الفلسفة السياسية المساعد بجامعة سوهاج، وهو بعنوان “مفهوم جودة الحياة في الفكر السياسي المعاصر” والذي صدر مؤخرًا. مفهوم “جودة الحياة”، هل للحياة جودة مثلما نبحث عنها في السلع التي نقتنيها في حياتنا اليومية، أم أنها مجرد حياة يمكن أن نعيشها على أي وضع كانت.
الحقيقة أن مفهوم جودة الحياة هو مفهوم حديث وغير دارج في حياتنا اليومية بين أفراد المجتمع الواحد، فهناك من يعتقد أن الحياة نحياها كما هي بحلوها وبمرها، لا يُعنينا جودتها وقيمتها، ولكن نجد أن هناك فلاسفة ومفكرين قالوا بأن هناك جودة للحياة ومعايير معينة لتحقيقها، وهو مفهوم أكاديمي حديث تم تداوله بين الفلاسفة والمفكرين، فكما نجد أن الهدف من الفلسفة هو الوصول إلى الحياة المثلى، فكان لا بد من التطرق والبحث عن جودة الحياة.
ولكي نصل إلى جودة الحياة من توفر ضرورات الحياة من مأكل ومسكن أي الأشياء الأساسية للإنسان والتي إذا لم يتم توافرها للإنسان يصعب تحقيقها، فهي الدافع للإنسان للانخراط في المجتمع لضمان بقائه واستمراريته، فالحاجة مفهوم دينامي متطور، بمعنى أن القدر اللازم من الموارد لإشباعها يزيد ويتنوع ويرتقي كلما حقق المجتمع نجاحًا في مجال التنمية، بل إن الحاجات المعيشية ذاتها ليست ثابتة، فتلبية الحاجات الأساسية تمثل الهدف المركزي من أي سياسة اجتماعية تريد لنفسها البقاء والازدهار، فإن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية تمثل المدخل الأساسي لممارسة الحرية، فمن دون تعليم مجاني، وحد أدنى من الدخل، ورعاية صحية كافية، ستظل القيود هي المتحكمة في الأفراد بحيث تحول دون حريتهم في التصرف وقدرتهم على الفعل.
وتعد الحرية والعدالة متطلبات أساسية لجودة الحياة، حيث لا تستقيم حياة الأفراد بدونهما، فالحرية تشير إلى قدرة الإنسان للتحرر من القيود التي تكبله سواء كانت قيود مادية أو اجتماعية وهي القدرة على الاختيار، الاختيار من بين بدائل الفعل وأن يطوروا مهاراتهم المختلفة، وأن يمارسوا الأنشطة العامة والخاصة في ضوء ما تستهدفه هذه الأنشطة من الوصول إلى نمط الحياة الخيرة، وقضية العدالة الناتجة عن حاجة الإنسان وتضارب المصالح قضية أساسية لجودة الحياة بصفة عامة، وعدالة التوزيع بصفة خاصة، تمثل أحد ركائز التنمية، فإن هذا يعني أن وجود حد أدنى من الدخل والثروة، والتعليم، والرعاية الصحية، تمثل جميعها وسائل ذات أهمية استراتيجية، فتوافر الحاجات الأساسية للأفراد تمكنه من ممارسة حريته، والعمل على تحقيق العدالة والمساواة يحسن من جودة الحياة.
تعريفات جودة الحياة: كما ذكرت سابقًا أن مفهوم جودة الحياة هو مفهوم أكاديمي حديث، شأنه شأن المفاهيم في العلوم الإنسانية، حيث تكون فيه المفاهيم غير ثابتة وتختلف من شخص لآخر.
إن مفهوم جودة الحياة يشمل المعايير الكمية والنوعية، فالمعايير النوعية تتمثل في الرضا عن الحياة، الإحساس بالسعادة…..، وعلى مستوى المجتمع، هي: القدرة على المشاركة والتأثير، مقدار الترابط بينه وبين المجتمع، والمعايير الكمية على مستوى الفرد، هي قياس المهارات، والحالة التعليمية……..إلخ، وعلى مستوى المجتمع، فهي: قياس الحالة البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية.
فيمكن أن يتغير المفهوم بتغير الأفراد والمواقف، فالمريض يتوق إلى الصحة، ويرى فيها جودة الحياة، والفقير يطمح إلى الغنى ويرى فيه جودة الحياة، والمعاق يتمنى زوال إعاقته ويرى في ذلك جودة الحياة، فجودة الحياة هي ذلك المفهوم الذي ظهر ليعكس مدى تمتع الفرد بالحياة وما بها من متغيرات. وتعتبر منظمة اليونسكو نوعية الحياة مفهومًا شاملًا يضم كل جوانب الحياة كما يدركها الأفراد، وهو يتسع ليشمل الإشباع المادي للحاجات الأساسية، والإشباع المعنوي الذي يحقق التوافق النفسي للفرد عبر تحقيقه لذاته، وعلى ذلك فجودة الحياة لها ظروف موضوعية ومكونات ذاتية.
لقد ارتبط هذا المفهوم منذ البداية بسعي المجتمعات الصناعية لمواجهة إشباعات الأفراد وتطلعاتهم وطموحاتهم.
مفهوم سميث” Smith” لجودة الحياة: إن المقصود بجودة الحياة جميع الأشياء التي تعتبر مهمة للوجود البشري، والرفاهية الإنسانية تشتمل على الأشياء التي يستمد منها الرضا البشري سواءً كانت إيجابية أو سلبية، وكذلك الطريقة التي تتوزع بها ضمن متطلبات المجتمع، مثل الرخاء الاجتماعي، مستوى المعيشة، نوعية الحياة، فمفهوم جودة الحياة يرتبط بعدة مفاهيم أخرى: كالرفاهية، والتقدم والتنمية وإشباع الحاجات والتخلص من الفقر.
ويرى تيلور” Taylor” وبوجدان” Bogdan” سنة 1996، أن جودة الحياة موضوع للخبرة الذاتية، إذ لا يكون لهذا المفهوم وجود أو معنى إلا من خلال إدراك الفرد ومشاعره وتقييماته لخبراته الحياتية.
بينما يشير فريكي” Friki” سنة 1997 إلى أن وجود المعايير والقيم الخارجية لا يكون لها معنى إلا في سياق ما تمثله من أهمية وقيمة بالنسبة للفرد نفسه، بمعنى آخر أن المؤشرات الخارجية لجودة الحياة لا قيمة لها ولا أهمية لها في ذاتها، بل تكتسب أهميتها من خلال إدراك الفرد وتقييمه لها.
وعلى الرغم من عدم الاتفاق على تعريف واحد لمفهوم جودة الحياة إلا أنه عادة ما يُشار إلى تعريف منظمة الصحة العالمية لسنة 1995، بوصفه أقرب التعريفات إلى توضيح المضامين العامة لهذا المفهوم، إذ ينظر فيه إلى جودة الحياة بوصفها ” إدراك الفرد لوضعه في الحياة في سياق الثقافة وأنساق القيم التي يعيش فيها، ومدى تطابق أو عدم تطابق ذلك مع: أهدافه، توقعاته، قيمه، اهتماماته المتعلقة باعتقاداته الشخصية وعلاقته بالبيئة بصفة عامة، وبالتالي فإن جودة الحياة بهذا المعنى تُشير إلى تقييمات الفرد الذاتية لظروف حياته.
– جودة الحياة هي رقي مستوى الخدمات المادية والاجتماعية التي تُقدم لأفراد المجتمع والنزوع نحو نمط الحياة التي تتميز بالترف، وهذا النمط من الحياة لا يستطيع تحقيقه سوى مجتمع الوفرة، ذلك المجتمع الذي استطاع أن يحل كافة المشكلات المعيشية لغالبية سكانه.
وبعد أن أوضحنا التعريفات المختلفة لمفهوم جودة الحياة، يتضح لنا أنه يطبق في الدول المتطورة الغنية بالموارد، والتي تستطيع أن توفر لأفرادها الحاجات الأساسية له، وتوفر له ما هو أكثر من حياة تمتاز بالرفاهية، وما ينتج عن ذلك من شعوره بالرضا والسعادة، وتحقيق جودة الحياة كما ينبغي.
أما الدول الفقيرة يصعب تحقيق ذلك فيها، فالإنسان فيها يصارع في الحياة من اجل الحصول على المتطلبات الأساسية، أي أنه لا يمتلك الحد الأدنى للعيش بسلام وطمأنينة، تجعله يفكر ويسعى إلى الوصول لجودة الحياة. ويجب علينا أن نتطرق إلى الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى تدهور جودة الحياة.
العوامل التي تؤثر على جودة الحياة: من العوامل التي تؤثر على جودة الحياة:
• النمو السكاني المرتفع الذي لا يتوافق مع إمكانية توفير الخدمات اللازمة للسكان بقدر كاف كالتعليم، والرعاية الصحية، والمأكل، والسكن الآمن………، إلخ.
• سوء إدارة النفايات وعدم التخلص منها بشكل جيد، مما يؤدي إلى تلوث الهواء وانتشار الميكروبات والأوبئة.
• تدمير المساحات الخضراء وعدم استنشاق الهواء النقي.
• انعدام الأمن، وحدوث جرائم مثل السرقة والاغتصاب.
الحاجات المعيشية والمكتسبة: هي تلك الاحتياجات التي يسعى الجميع إلى إشباعها على نطاق واسع، والتي لا تعتمد على مشاريع خاصة أو أهداف شخصية، أما الحاجات المكتسبة فهي ذلك النوع من المساعي الإنسانية المهمة، لتحقيق بعض الأهداف الفردية أو الخاصة، فهي احتياجات ليست مشتركة بين جميع الأفراد.
تمثل الحاجات المعيشية إذن، مجموعة من الاحتياجات الأولية للبشر، كما أنها متنوعة جدًا، أما الحاجات المكتسبة فهي فردية ونسبية، وفي تزايد مستمر كلما تقدم المجتمع، فكلما نجح الإنسان في إشباع حاجة معينة ظهرت حاجات أخرى جديدة.
لا يوجد فصل بين الحاجات المعيشية والحاجات المكتسبة، فالأولى هي المدخل لتحقيق الثانية، والثانية ليس لها من قيمة من دون إشباع الأولى، والحاجات المكتسبة هي التي تحقق للإنسان جودة الحياة.
شهوة التملك: الدافع إلى التملك يُشبع في الإنسان الإحساس بالتميز والسيطرة ومن ثم الزهو والتفاخر، وشهوة التملك يصاحبها الاعتداء على حقوق الغير واغتصاب ما ليس للإنسان حق فيه، لكن شعور الإنسان بالتميز والسيطرة أو الأمن الناتج عن التملك من هذا النوع هو شعور مزيف بل يتعرض كثيرًا للزوال، فعندما تتوجه سلوكيات الإنسان إلى مجرد الاستحواذ أو تملك الجاه والمال والسلطان يفقده ذلك ثراء الكينونة والشعور بها، أما جودة الحياة الحقيقية فهي مع فقد شهوة التملك وتمسك الإنسان بما يستطيع إنجازه والتفوق فيه وإثبات وجوده، بهذا يقي الإنسان نفسه القلق والخوف والترقب، فأمن الإنسان في هذه الحالة توجد مسبباته داخل الإنسان وليس خارجه، في امكانياته وانجازاته وثقافته، في تماسك شخصيته، وعلى ذلك فلن يستطيع أحد أن يفقده أو يسلبه إياها، وهذا يجعله يعيش جودة الحياة، لأنه بذلك يمتلك الحرية، فلن ينافق أو يداهن، بل يعيش قويًا يمتلك الحرية والإرادة ويكون لديه فرصة التفكير والتدبر وتنظيم أمور حياته وتحقيق أسمى غاياته.

من جانب آخر، فإن التعصب كسلوك يقيد الإنسان ويفقده حرية التفكير، فيصبح الإنسان متسلطًا متحاملًا متصلبًا، والشخصية التسلطية تفتقد الأمن، وغالبًا ما تشعر بالفشل والإحباط، ففي التعصب تعطيل لقوى العقل، فهو تقليد أعمى بدون بصيرة ووعي، حيث يُفقد الإنسان القدرة على تمحيص الحقائق، فالانفعال غالب على العقلانية، وفي التعصب عدم تسامح وعدم مرونة ومن ثم مقاومة للتجديد والتغيير والتطور، وجوهر الإنسان يرفض التعصب الذي هو ضد السعي وراء الحقيقة، ضد التقليد الأعمى ومن ثم ضد جودة الحياة.
ختامًا: فإن للحياة جودة، ولكن هذه الجودة تتحقق وفق شروط وظروف ومعايير معينة، وفي بيئة توفر المتطلبات الأساسية للإنسان كحد أدنى لكي يستطيع الوصول لجودة الحياة، والتي هي درجة عليا، لا يستطيع الجميع الوصول إليها، فالمجتمع الذي يستطيع القيام بعملية اكتفاء لحاجات مواطنيه والسعي لتحقيق حياة جيدة له، هو من يستطيع تحقيق هذه الجودة، ولكن هناك مجتمعات تتعمد إفقار شعبها وعدم توفير حاجاته الأساسية، حتى يكون شغله الشاغل توفير متطلباته الأساسية التي تحافظ على بقائه واستمراريته فحسب، ولا يطمح لما هو أعلى، ولا ينشغل بما يفعله الحكام والساسة، ولا ينشغل بالإصلاح والتعديل من سياسات الدولة والتي حتمًا ستكون ظالمة لشعبها.

المصادر والمراجع:
1. حمدي الشريف: مفهوم جودة الحياة في الفكر السياسي المعاصر، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2024.
2. فؤاد بن غضبان: جودة الحياة بالتجمعات الحضرية، الدار المنهجية للنشر والتوزيع، عمان 2015.
3. حمدي الفرماوي: جودة الحياة في جوهر الإنسان، مجلة دار المنظومة، جامعة عين شمس، القاهرة 1999.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى