
* العيش فوق الأشجار : ( الجزء الأول من المقال )
————————– ——————————-
بقلم الكاتب : عبدالعزيز الطباخ
“””””””””””””””””” “””””””””””””””””””””””””
… وسنظل نكتب .. فليست الكتابة ترفا أو تسلية أو حبا في الشهرة .. ولكنها ضرورة حتمية .. كالماء .. كالهواء .. كالحب .. نكتب لنخفف من رصيد أوجاعنا في بنك الأحزان .. نكتب لنفرغ مآ صدورنا من زفرات اليأس ، ومن بخار مكتوم ، فى زمن كثرت فيه الأقنعة .. نكتب في زمن إعتلي فيه الإجرام ، والحروب ، واللصوصية ، وسرقة الأوطان ، وقهر الضعفاء و إزلالهم ، صهوة الأحداث .. فالكتابة هى الوتر الذي يجعلنا نصغي لما يدور بداخلنا ونخجل أو نخشى البوح به … نكتب لنعيد تشكيل وعينا ، ونري بأم أعيننا مآلم نكن نتصور أن نراه حتي فى أحلامنا .. لذآ ستبقى الكلمة الحرة هي متنفسنا حين تضيق بنا الحياة ، ونافذة نطل منها علي الأحداث ، ونورا نهتدي به في ظلمات اليأس …
… وقد لآ تغير الكلمة مجري الأحداث ، ولكنها تغير نظرتنا إليها ، وطريقة التعامل الأمثل معها .. وهنآ تبدأ مرحلة الشفاء ، وتلمس بداية الطريق ، مثلما يصف الطبيب الدواء ، بعدما يستكشف الداء .. فالشفاء يتوجب منا مواجهة أحداث الحياة مهما كانت قسوتها ، بدلاً من الهروب منها أو تجاهلها .. فالهروب مما يؤلمنا يضاعف ألمنا ، لأننا كلما تذكرناه تضاعفت مخاوفنا ، وتجرعنا مراراته ، وضعفت مقاومتنا له ، فيتحول مع الوقت إلي كابوس مزعج .. ففي مواجته إذن نكتسب مناعة ، كما يكتسب المريض مناعة من مرضه بعد الشفاء .. فنصير أكثر تحملا ، وأكثر نضجا ، وأكثر إصرارا على مواجهته والإنتصار عليه .. وقد يستحيل علينا ذلك بدون أن نتذوق طعم الألم المر ، أو بدون أن نعبر طريق الأشواك ، مهما جرحت أشواكه أيادينا ، وأدمت وخزاته قلوبنا ….
… وكثيراً مآ يدفع الألم بالإنسان العاجز أو قليل الحيلة إلي العزلة ، والتقوقع داخل نفسه ظناً منه أنه في مأمن من عواصف الأيام .. ولكن قد يكون ذلك هروبا منه أو تخليا عن تحمله للمسؤولية الملقاة على عاتقه .. والعزلة هنآ إذا كانت مؤقته نسترجع من خلالها قوتنا ، وقدرتنا على التفكير الهادف ، لنعود إلي الحياة أكثر إتزانا ، وأكثر إصرارا علي مواصلة الطريق ، فهي ضرورية وليست مرضية …
… وكثيراً مآ يدفع الألم بالإنسان الحساس أو شديد الحساسية .. إلى الذهاب إلي الطبيعة .. فهو يأنس بها ، ويجد فيها راحته .. لأنها تعكس مشاعر الجمال الإلهي .. وتعكس مآ لديه أيضاً من مشاعر الحنين ، والرومانسية ، والراحة النفسية ، والبحث عن معني في عالم يتغير كل يوم .. فيبدو وكأنه يبحث عن آمال وأحلام تتجاوز اللحظة .. يحدث ذلك حين يصبح الإنسان لحنا في سيمفونية الحياة .. يحدث ذلك حين يأنس بغصن شجرة ، فيجعل منها متكأ يريح عليه قلباً آلمته الأيام .. يحدث ذلك حين يتسلق فروع الأشجار ويجعل منها بيتا يأوي إليه ، وكأنه أراد بذلك أن تشاركه الأشجار ذكرياته ، فينقش إسمه علي جذوعها ، وتشهد الأغصان بدفء صحبته ورومانسية …
… فليست العزلة الإختيارية هنآ أمرا سلبياً أو ضعفا أو هروبا .. ولكنها ضرورة حتمية يجب علينا اللجوء إليها في كثير من مراحل حياتنا ، لكى نري الحياة بمنظور مختلف .. فكثير من الأشياء لا نراها جيداً إلا إذا ابتعدنا عنها قليلاً أو كثيراً .. هنآ يمكننا رؤية الأشياء أكثر جلاء ووضوحا ، كان من المستحيل علينا رؤيتها إذا زاد قربنا منها لدرجة الالتصاق .. فالدقة فى إختيار المسافات ، وأبعادها هي من تجعلنا نري البشر ، ونري الحقيقة ، ونتحمل قسوتها دون أن تخدشنا بأظافرها ، أو تجرحنا بأنيابها ، أو تذبحنا بنصالها الحادة …
—————————————–




