
الإرهاب الصهيوني..حين يكتب الدم سيرة كيان
بقلم مستشار محمود السنكري
ما أصعب أن يُولد الكيان من رحم المجازر، أن ينهض على أنقاض القرى المحروقة وعلى صرخات الأطفال الذين لم يكملوا جملتهم الأولى في الحياة، ليست الصهيونية مشروعًا سياسيًا فحسب بل هي فكرةٌ صيغت في مدافن التاريخ وتغذت على جوع الأرض وظمأ السيطرة فاختارت الإرهاب لغة والخراب طريقًا والموت وسيلة للوصول، وهنا صار في اعتقادهم الغزو عقيدة.
لم تبدأ القصة عند حدود النكبة بل قبلها بزمن حين اجتمع رجال من أوروبا على طاولة وقرروا: هنا سنبني “أرض الميعاد”، لم يسألوا عن الأرض ولا عن ساكنيها بل حملوا الخريطة والبارود ، ومن رحم هذا الحلم المتوحش خرجت العصابات المسلحة لا تنشد سلامًا بل تنشد طردًا ولا تبني وطنًا بل تسرق وطنًا.
من دير ياسين إلى غزة المشهد لا يتغير، في دير ياسين سقط الصباح مذبوحًا وفي كفر قاسم تكسرت الشمس فوق جماجم العائدين من الحقول، لم تكن تلك مشاهد طارئة في تاريخ طويل بل طقوس تأسيس تمارَس على أجساد الأبرياء ليُثبَت الحضور بالقوة، وفي غزة حيث يُولد الأطفال وتحتضنهم المقابر قبل المدارس لا تزال نفس اليد تضغط على نفس الزناد بنفس الفكرة “اجعل الرعب طريقًا للسيطرة”.
لم يعد الإرهاب فعلًا عابرًا بل أصبح مؤسسة إرهابية منظومة وجيشٌ بزي أنيق يمارس الاحتلال وجنودٌ مدربون على تفتيش الأرواح قبل الجيوب وقادة يتحدثون عن “أمن الدولة” وهم يرسمون حدودها على دم الآخرين, إن ما تمارسه إسرائيل اليوم ليس دفاعًا عن النفس بل امتدادٌ لتاريخٍ يشرع القتل ما دام الهدف منه استمرارية المشروع.
تحاصر إسرائيل ليس فقط الأجساد بل الأصوات وتلاحق الكلمة الحرة وتُشهر تهمة “معاداة السامية” سيفًا على رقاب المثقفين وتُموّل ماكينة إعلامية ضخمة تغسل الحقائق وتصبغ الجريمة بلون الشرعية، في عالم الصوت فيه سلطة تختار إسرائيل أن تُخرس كل صوت يعري حقيقتها.
الكيان الصهيوني ما هو إلا غرس مسمم في قلب الشرق فلم يكن جزءًا من النسيج بل شوكة زُرعت بالقوة، لم يتناغم مع محيطه بل تفوق عليه قهرًا وما يفعله اليوم ليس إلا استمرارًا لذات المنهج: تقويض كل ما حوله حتى يبدو هو المستقر، تدمير الجوار ليظهر هو “واحة الديمقراطية” بينما تنبت تحت قدمه أشجار الزيتون المقلوعة وتبكي في سمائه الحمائم التي لم تجد غصنًا تأوي إليه.
وأخيراً أختم مقالي هذا بما لا يُقال في كتب السياسة، ففي العرف السياسي تُسمى إسرائيل “دولة” وفي الواقع الأخلاقي هي بنية من الإرهاب مغطاة بألوان العَلَم ، الفرق بين الدولة والمنظمة ليس الشكل بل الفعل فحين تبنى الدول على القيم وتبنى إسرائيل على الجريمة فإن الفرق بينهما ليس إلا قناعًا يُسقِطُه الزمن.




