مقالات

(*إكرام الميت دفنه*)

بقلم د.منى الرفاعى

هناك ثقة إذا انكسرت لا تعود إلى شكلها الأول مهما حاولنا ترميمها…… قد تتغير المواقف في ظاهرها وقد تعاد صياغة الكلمات…… لكن الحقيقة الأولى تظل ثابتة لا تستنسخ مرتين……ولا تستقيم بعد أول انكسار

وهناك مواقف لاتنسى لا لأنها حدثت فقط بل لأنها كشفت ما كان مستورا وأسقطت أقنعة كانت تبدو مطمئنة…. وأعادت ترتيب الأشخاص في أماكن لم تكن محسوبة…. مواقف تظهر الفرق بين ما يقال وما يفعل وبين ما يبدو ثابتا وما يتغير عند أول اختبار

ومع مرور الوقت……ندرك أن بعض ما نمر به لا يحتاج إلى تفسير بقدر ما يحتاج إلى وعي…….وأن الاستمرار في منح الفرص لا يعني دائما النضج…. بل قد يعني التأخر في الاعتراف بأن بعض الأشياء انتهت بالفعل حتى وإن ظلت تتحرك في الشكل

نجبر أحيانا على الاستمرار في تحمل ما لا يحتمل ليس ضعف….. ولكن لأننا لا نغلق الملفات في وقتها الصحيح….. نؤجل الحسم، نجامل الواقع…..و نبقي على ما فقد معناه فقط لأننا لم نعتد فكرة الإغلاق الكامل

ومع الوقت تتضح قاعدة بسيطة لكنها حاسمة: ليس كل ما بدأ يستحق أن يكمل وليس كل ما استمر يستحق أن يستمر معه

ثم تأتي الحكمة التي تختصر كل هذا التشابك الإنساني:
✋إكرام الميت دفنه✋

ليس المقصود بها المعنى الحرفي فقط…. بل امتدادها العميق في فهم الحياة والعلاقات والمواقف

أن ما انتهى انتهى….. وأن محاولة إعادته ليست دائما دليل قوة أو وفاء بل أحيانا دليل إرهاق مستمر ومحاولة غير واعية لإحياء ما لا يستحق

دفن ما انتهى لا يعني إنكارا…. بل يعني إدراكا متأخرا للحقيقة

هو شكل من أشكال ترتيب الداخل وإغلاق الملفات التي لم تعد تنتج إلا ارتباكا وإعادة توزيع المساحات على ما هو أكثر اتزانا ووضوحا

هناك أشياء إذا استمرت… لم تضف بل استنزفت
وأشياء إذا أُغلقت، لم تنقص بل أعادت للإنسان قدرته على الفهم الصحيح لما حوله
ليس كل ما يترك خلفنا خسارة… وليس كل ما يغلق بابا كان يستحق

أحيانا يكون الإغلاق هو أول خطوة حقيقية نحو التوازن حتى وإن بدا في ظاهره نهاية غير مريحة

إكرام الميت دفنه…
هو مبدأ أعمق من مجرد عبارة هو وعي بأن بعض النهايات لا تحتاج إعادة تفسير بل تحتاج احترام لصورتها الأخيرة دون محاولة تغييرها

وإكرام الواقع هو التعامل معه كما هو…. لا كما نرغب أن يكون،….ولا كما كنا نأمل أن يستمر

فالتمسك بما انتهى لا يعيده بل يطيل أثره بشكل مرهق ويؤخر ما يجب أن يبدأ بدلا منه
وفي النهاية يبقى المعنى الأوضح: أن بعض الإغلاق ليس قسوة بل ضرورة

وبعض الدفن ليس فقدا بل حماية لما تبقى من اتزان داخلي لا يحتمل مزيدا من التشويش
إكرام الميت دفنه…
وأحيانا… إكرام الحياة هو أن نمنح كل شيء مكانه الصحيح: ما انتهى يدفن… وما يستمر يفهم….وما يرهقنا يغلق بلا تردد✋

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى