في المرة الأخيرة يا ليلىٰ، لن أكتب، ولن أعلم أنها الأخيرة.

بقلم هدير البربري
غريب، أليس كذلك؟ نعيش كل يومٍ وكأننا نملك من الحياة والوقت ما يكفي، لكنها لحظة.. بيننا وبين النهاية لحظة واحدة فقط.
المناوشات بين الإخوة -على أتفه الأشياء- لا ينبغي أن تطول، فكلٌّ منهما لا يعلم من سيرحل أولًا.
وعلى الوالدين أن يعانقوا أطفالهم في كل لحظة، لأن الحياة تسرق منّا دائمًا العناق الأخير.
رُبما يا ليلىٰ، لو علمتُ أيُّ مرةٍ ستكون الأخيرة، كنت سأكتب.. سأحتفظ بوجوههم في عينيّ، أوثّق اللحظات، وأستغل الفرصة، كنت سأُفلت عقلانيتي، وأركض نحو العناق الأخير الذي يسبق الفقد، حين نكون مازلنا نعني لبعضنا شيئًا.
المؤلم أني لا أعلم الآن أيضًا متى ستكون المرة الأخيرة مع الجميع.
أجلس مع عائلتي، أضحك، ألعب، ترتفع ضحكاتنا، ثم يصيبني الصمت.. أنظر إليهم وأتمتم سرًّا:
“يا ربّ، لا تختبرني فيهم أبدًا.”
الخوف يا ليلىٰ لا ينام، يتسلل في هيئةِ فكرةٍ واهنة: أن أستيقظ يومًا على غيابٍ لا عودة بعده.
أرى أصدقائي، نجلس سويًا، تدور الأحاديث، أستمع إليهم وأتأملهم، لم يستحقوا الحزن ولا الأذى.
ثم يمرّ بخاطري خوفٌ خفيّ: أن يأتي يومٌ أمرّ فيه بالأماكن ذاتها وحدي، تلاحقني أطيافهم وضحكاتهم.
عندها ينتابني ذلك الشعور الثقيل، لأني أعلم في أعماقي أن أيّ مرةٍ يمكن أن تكون الأخيرة ونحن لا نعلم.
الغياب، الوداع، الاختفاء، الصمت.. كلها تعني النهاية، كلها وجوهٌ للخوف.
وأنا يا ليلىٰ.. لم أعد أحتمل هذا الخوف الذي يسكنني، لا أعلم كيف أصفه، لكنه يبتلعني، يملأني حتى أخر نقطة فيّ.
أنام وأستيقظ في محاولاتٍ للتخلّص منه، لكن ينتهي اليوم وكلانا مايزال هنا:
أنا.. والخوف.



