* التنمر .. موت بلا جريمة :

———————————
بقلم الكاتب : عبدالعزيز الطباخ
————————————–
… لم يكن الفقر ، وقلة الحيلة يوماً عيبا ، أوعارا على صاحبه .. بل كان في كثير من حكاياته بداية مشرقة لقلوب أرهقها المسير ، وأتعبها طول الطريق .. ونوراً لأرواح تعلمت كيف تقف وحدها تصارع أقدارها ، وتواجه أمواج الحياة بشجاعة ، وصبر ، وإصرار .. وعقول تعلمت كيف تصنع من القليل معني ، ومن الحرمان طريقا مفروشا بالورود …
… ولكن : الأكثر بؤسا من الفقر .. أن يأتي من يسخر من فقير أو محتاج ، وهو لا يدري أن بعض العظماء خرجوا من هذا القاع الذي يسخر ، ويتندر ، ويستهزء به …
… إن المسؤول التافه الذي يهين طالبة ، وجبة فطورها متواضعة لقلة إمكانيات أسرتها الفقيرة ، وبدلاً من أن يتبرع لها بوجبة أو أكثر لوجه الله ، وبطريقة لاتجرح كرامتها ، أو يبادر بتقديم وجبات غذائية فرضتها الدولة ودفعت قيمتها مليارات ، ولا ندري أين مصير هذه المليارات …
… لقد رأي فقط ما ينقصها ، ولم يري ما ينقصه .. لقد رأي قلة حيلتها وضعفها ، ولكنه بغرور السلطة لم يري انحداره الأخلاقي ، بعد أن أحرجها أمام الجميع وبأسلوب متردي ، بل غاية فى التردي ، والسوقية والوحشية .. لقد رأي ما ينقصها لأنه ينظر إلي الأشياء بسطحية ، دون التعمق في جوهرها .. لقد رأي الظاهر ولم يري الباطن ، وما تخبؤه القلوب الجريحة من ألم الحاجة والعوز .. فقد تحمل هذه الفتاة فى داخلها إحتراماً ، وعزة نفس ، وشموخا ، وترفعا عن الحرام ، أمثاله عشرات المرات …
… وكم من فقير حمل بداخله عالما كاملاً من الكرامة ، وعفة النفس .. وكم من متسلط ، أو متنمر لا يحمل سوي فراغه ، وتفاهته ، وضحالة فكره ، ودناءة نفسه .. وكم من إنسان خرج من قاع الفقر ، يحفر بأظافره فى الصخر ليصنع مجده ، وشهرته .. وكم من متعال ، أو مغرور ، أو متكبر ، أو متسلط ، سقط فى الوحل لأنه أعمي البصر ، والبصيرة ، لا يري فقط سوي المظاهر الكاذبة …
… إن التنمر علي الفقراء ، أو ظلمهم ، لا يكشف فقرهم بقدر ما يكشف خواء من يمارسه ، وخسة نفسه .. لأنه يسخر ممن لا يملك إلا إنسانيته .. بينما هو لا يملك شيئاً يرتقي به في مصاف الإنسانية ، ولا يملك أبسط ما يجعل الإنسان إنسانا .. فليس الفقر ما يخجل منه ، بل العقول التي لم تتعلم أن تري الإنسان خارج ثيابه .. فالناس لا تقاس بما يملكون ، بل بما يعطون ، وبما يحملون من إنسانية إن كانوا لا يملكون .. فالكرامة لا تنتزع بكلمة ولا تقاس بمظهر .. ومن يقبل أن تهدر أمامه كرامة الآخرين ، لا بد وأن يكون هو ذاته مهدر الكرامة ، مسلوب الضمير .. لأنه أراد أن يملأ فراغه ، وخواء نفسه ، وتفاهة فكره بإيذاء الآخرين القابعين تحت سلطته …
… والسؤال الذي يفرض نفسه .. الآن .. هل صارت الأوطان حكراً علي الأغنياء ، وفاحشي الثراء ، وناهبي الأقوات ، وسارقي الأحلام ، وأصحاب السلطة ، والنفوذ ، هم وأبنائهم .. رغم أن الأغلبية هم من الطبقات الفقيرة والمتوسطة .. وهم من تقام على أكتافهم الأوطان ، ويضحي بهم فى الحروب ، والأزمات .. وهل : ماورد بالمسرحية العالمية ( الحب ) ينطبق علينا ، والتي هاجم فيها الشاعر ــ العدالة العرجاء .. إذ يقول في مطلعها : ـــ
• كنت أظنه وطنا لايباع ولا يشتري
• فإذا به سوق .. لمن يدفع أكثر
• وكنت أنا البسيط في طابور الحالمين
• أشتري الوهم .. وأدفع عمري ثمناً للثري
• كنت نصفا آخر .. هكذا قالوا لنا
• ثم اكتشفت أن الأنصاف هم فى العنا
• نحن فقط .. كاملون فى وجعنا حين نفترق
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””




