مقالات
أخر الأخبار

معركة ضد الرموز لا ضد الفوضى من يخاف من اللافتة أكثر من الانهيار الأخلاقي؟

بقلم: مستشار محمود السنكري

في المجتمعات التي تختل فيها البوصلة لا تُحارب الأزمات الحقيقية بل تُختلق معارك جانبية وعندما يعجز البعض عن مواجهة الفساد يسهل عليه إعلان الحرب على الرموز وحين يفشل في إصلاح الواقع يقرر مصادرة المعنى. هكذا تتحول لافتة صغيرة إلى خطر وجودي بينما يمر الانهيار الأخلاقي كأنه أمر عابر لا يستحق الذكر.

المقال الذي يطالب بحصر الدين داخل الجدران ومنع أي تعبير عنه في المجال العام لا يدافع عن القانون بقدر ما يفرض وصاية فكرية على الضمائر.

فالقول إن “الدين مكانه القلب فقط” يبدو في ظاهره دعوة للتنوير لكنه في حقيقته دعوة للصمت الإجباري وكأن الإيمان عيب يجب إخفاؤه لا قيمة تُعاش.

الدين لمن يؤمن ليس حالة وجدانية معزولة بل منظومة أخلاق وسلوك وهوية وهو لم يكن يومًا خطرًا حين عُبر عنه بسلام بل الخطر الحقيقي هو استخدام القانون كعصا لتكميم التعبير والخلط المتعمد بين التدين الصادق والتوظيف السياسي الرخيص.

والأكثر تناقضًا أن من يدّعي رفض الطائفية يبني خطابه كله على افتراضات طائفية: هذا سيستفز وذاك سيرد وكأن المجتمع هشّ إلى درجة أن كلمة أو صورة قادرة على إشعال حرب ، هذا ليس وعيًا بل إسقاط خوف على وطن كامل.

أما ربط أي مظهر ديني بالإسلام السياسي فهو اختزال فج ومضلل.

فليس كل ذكر لله مشروع سلطة ولا كل دعاء شعارًا حزبيًا ، هذا الخلط هو ما صنع الاحتقان لا اللافتات ولا الكلمات.

القانون نعم واحترام النظام واجب لكن القانون يُطبق بميزان واحد لا بانتقائية ولا يتحول إلى أداة لقمع ما لا يعجب البعض فتنظيم الشارع شيء وتجريم الرموز شيء آخر. والفرق بينهما هو الفرق بين الدولة والوصاية.

المفارقة أن المقال يهاجم “النفاق الديني” بينما يطالب الناس بإخفاء قناعاتهم ويتحدث عن “السلوك” بينما يدعو إلى محو أي أثر للقيمة في المجال العام ،

فهل الصمت يصنع أخلاقًا؟ وهل غياب اللافتة يمنع الفساد؟ أم أن الأسهل دائمًا هو محاربة الرموز بدل مواجهة الخراب الحقيقي؟

ذكر الله والصلاة على رسوله الكريم كما قيل لا يحتاج إعلانًا لكنه أيضًا لا يحتاج إذنًا ليُذكر. ومن أراد أن يعرف إله الناس فلينظر إلى عدلهم وأمانتهم لا إلى خوفهم من كلمة مكتوبة.

المشكلة ليست في اللافتة
ولا في الصورة،،
ولا في العبارة،،
المشكلة في عقل يخاف من الرمز.. ويتعايش مع الفوضى ويرى في الإيمان خطرًا وفي الصمت فضيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى