
* العيش فوق الأشجار ( الجزء الثاني من المقال ) :
—————————– ——————————–
بقلم الكاتب : عبدالعزيز الطباخ
—————- ——————-
.. وفي الخلوة .. يحدثنا القلب عن الجروح التي لآ تري ، وعن الطرق التي لآ تسلك .. فيتحول إلي وسيط روحي يقارب مابين العقل والقلب .. ويخبرنا في النهاية أن حياتنا ماهي إلا مزيج من الحب والألم والربح والخسارة والانكسار .. وعلينا أن نتقبل كل ذلك لكى نواصل حياتنا .. فكثير من الأسئلة لآ نجد لها إجابات شافية .. فلآ نملك إلا أن نتركها بلا إجابة ، ونكف عن الركض خلف الأجوبة ، فكثير من الأشياء تولد في لحظة قد نظن أنها مستحيلة …
… وحين لآ نجرؤ على رؤية حقيقة أنفسنا .. قد يتكشف لنا — في لحظة صدق — أننا يمكن أن نفعل ذلك في عزلتنا ، فيتحدث القلب بما يعجز اللسان عن البوح به .. وفي الخلوة .. نخفي مشاعرنا عن البشر كما يخفي المحب العاشق عن الناس أسرار حبه وهيامه .. ولآ نخفيها عن ذواتنا .. فتتفجر أمامنا وكأن الحياة تشق نهرا يجري في صدورنا .. نهرا يحوي طوفانا من المشاعر يصعب السيطرة عليها أو التعبير عنها بالكلمات ، وكأنها نغمات شاردة يعزفها القلب في لحظة صدق ، ولآ يدري كيف أتي بها ، وكيف يحفظها فى صندوق الذكريات …
… وفي الخلوة يتعلم الناس كيف يعيشون داخل أنفسهم ، تحوطهم أسوار هواجسهم ، وخواطرهم .. فيحتضنون مخاوفهم ، ويرممون جروحهم ، وانكساراتهم قبل أن يعودوا للحياة مجدداً …
… والخلوة تعلمنا التأمل ، ولملمة شتات أنفسنا ، وتعلمنا كيف ننصت لما يدور بداخلنا من خواطر شتي .. فمواقف الحياة ومتاهاتها لآ ترحم ، وتناقضاتها لآ تتوقف .. فموقف واحد أو لحظة واحدة أو كلمة واحدة طيبة أم جارحة ، يمكن أن تغير مصير إنسان ، سواء أكانت عابرة عن غير قصد أو بمحض الصدفة ، أم كانت نتيجةً عوامل داخلية أو خارجية ، أم أن البيئة والأسرة والمجتمع تشاركا فى إيجاد هذه اللحظة أو ذاك الموقف .. فنجد أنفسنا نتجه نحو التأمل والإنتظار .. فنتساءل في حيرة : هل هذا الموقف أو تلك اللحظة تنتهي بفوزنا وانتصارنا أم تنتهي بهزيمتنا داخلياً .. فنعيد النظر فى تفاصيل حياتنا لكى ندرك أسباب هذا الإخفاق .. ولماذا نلوذ بوحدتنا : هل تمردا علىٰ الحياة .. هل خوفاً ، أم هروبا منا ، أم حماية لأنفسنا ، وحرصاً علي سلامنا النفسي …
… وفي الرواية الإيطالية ( البارون ساكن الأشجار ) .. للكاتب الإيطالي ” كالفينو ” .. يعرض لنا قصة أحد النبلاء الطيبين الذي ضاقت نفسه ، وتمرد على تقاليد أسرته ، وطريقتها فى التعامل والتكلف الشديد ، والتعالي ، والتمسك بالمظاهر المبالغ فيها ، سواء فى داخل الأسرة أو فى نطاق المجتمع .. فمآ كان منه سوي هجرهم ، وهجر المجتمع .. فلجأ إلي العيش مع الطبيعة وحيداً .. وأعد لنفسه بيتاً فوق الأشجار ، وأقسم ألا تطأ قدماه أرض البشر طالمآ بقيت فيه أنفاس من حياة .. فكان إختياره هذا تعبيراً عن رفض المجتمع بريائه الإجتماعي ، ومآ يترتب علي ذلك من تصرفات غريبة ومتناقضة …
… إنها — من وجهة نظر البارون — تجربة ، و محاولة رؤية الحياة بمنظور مختلف ، جعله وهو بعيداً فوق الأشجار أكثر قربا لأسرته ومجتمعه ، وأكثر قدرة علي إقناعهم ، وتوعيتهم ، ونقل إليهم مآ تعلمه من الكتب التي يعشق قراءتها .. ولقد إستطاع بالفعل أن يخرج مآ بداخلهم من معاني جميلة تدعو للحرية من التقاليد البالية ، وتعريفهم حقوقهم كبشر لهم حقوق وعليهم واجبات .. وقد إستطاع أيضاً هداية كثير من المجرمين والأخذ بيدهم نحو طريق الفضيلة ، بعد أن أحبه الجميع ، ووثقوا فيه …
… ولقد خلصت من قراءتي للرواية .. بأن ( البارون ) عندما عايش جمال الطبيعة ( من شجر ، وخضرة ، وثمر ، ونضارة ، وقمر ، ونجوم ، وسحاب ، وسماء ، وشمس ، وثلوج ، ومطر ) .. فقد لمس بقلبه عالما روحانيا شفافا .. فأصبح أكثر سموا ، ونقاءا .. بعد أن إكتشف حقيقة العالم السفلي ، بينما يعيش — الآن — فى العلا بعيداً عن شرور الأرض ، وكأنه يريد أن يقول لنا : إن حياتي أجمل مآ تكون وأنا حر ، طليق .. لذا أتمني أن أعيش طويلاً لأستمتع بها ، أخجل أن أموت ، وأودع كل هذا الجمال .. وهو لآ يدرى ماذا تخبؤ له الأقدار عندما تحين لحظة الرحيل …
… ولقد أراد الكاتب هنآ – حسب تقديري — أن يلقي بشعاع الحقيقة مخترقا به شغف الواقع الأليم .. فى محاولة منه لعرض فلسفة تستحق منا التأمل والإحترام : وهي أن الإنسان يمكنه أن يري الحياة بصورة أعمق وأدق واكثر شمولا ، وهو يراها من بعيد .. يمكنه أن يلتقط صوراً لها أكثر دقة وثراء .. وبالتالي يمكنه أن يساعد في تطوير وبناء عالم يستحق العيش فيه ، عالم تتحقق فيه أحلامنا .. فهى رواية تأملية فلسفية وإن كانت تجنح وتشرد عن الواقع المؤلم لحياة البشر عموماً .. ولكنها محاولة لفهم طبيعة البشر ، والأرض التي يعيشون فوقها بطريقة فلسفية خيالية …
… ولكن الكاتب ومن خلال عرضه لشخصية البارون في روايته ، تلك التي تمزج بين الخيال والرمز والفلسفة والواقعية السحرية .. وتري فى الحرية عوضا للبارون عن وحدته ، فلم ير فى الوحدة نقصا فى حياته ، بل كان يراها مكتملة الأركان طالما عاش حرا بلا قيد ، لآ يركض خلف الأيام ، ولآ يتسابق معها ، بل يحتضنها ، ويستمتع بها .. ولكنه مع تقدم السن وبلوغه مرحلة الضعف والكهولة ، يصطدم فى النهاية بالحقيقة التي لآ مفر منها .. إنها حقيقة الموت .. فعندما يقترب البارون من الموت ، وهو الذي أقسم ألا تطأ قدماه الأرض .. كان حتماً عليه أن يهبط إليها حين فاجأه الموت من حيث لآ يدري وبطريقة تعكس إختياره الحر فى البقاء بعيداً عنها …
… وينهي الكاتب حواراته تاركاً لنا تساؤلا فلسفيا ، عميقاً :
———————————————-‘————-
* هل يمكن للعزلة أن تمنحنا السعادة طالما كانت إختيارا حرا منا ، وصولاً لفهم معني الحياة بطريقة نختلف فيها عن رؤية الآخرين لها ؟ ……
… بينما الحقيقة — وحسبما أري — هي أن العزلة وإن سعدنا بها فى بعض فترات حياتنا ، فهي لا تعفينا من سداد ثمنا باهظا لها .. والثمن هنا : — هو الوحدة ، والوحشة ، والغربة ، و الإغتراب ، وصعوبة التواصل مع الآخرين .. فيعيش الإنسان وحيداً ، ويموت وحيداً ، وهو يعلم أنه حتماً سيعود إلي الأرض .. سيجبره الموت علي العودة إليها .. ولن يجد مكانا يحتويه ، ويحنو عليه سوي ترابها وتحت ثراها .. إنها سنة الله ” عز وجل ” فى خلقه …
( ولن تجد لسنة الله تبديلا )
( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجهم تارة أخرى )
* صدق الله العظيم *
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””




