مقالات
أخر الأخبار

محكمة السوشيال ميديا: حين يتحول الجمهور إلى قاضٍ وجلاد.

محكمة السوشيال ميديا: حين يتحول الجمهور إلى قاضٍ وجلاد.

بقلم: د. سامح فرج حموده

باحث في قضايا الإعلام والمجتمع

 

في زمن السرعة وتدفق المعلومات، لم يعد الناس ينتظرون الأحكام القضائية، ولا يبحثون عن الحقيقة من مصادرها الرسمية،بل أصبح منصات التواصل الاجتماعي ساحات مفتوحة لإصدار الأحكام، وتنفيذ العقوبات المعنوية والاجتماعية قبل أن تنطق المحكمة بكلمة واحدة، قضايا مثل “ب لبن” ووزير التعليم، وسواها، كشفت عن ظاهرة مقلقة تتجاوز حدود التعبير إلى مصادرة الحقوق، وتحوّل الجمهور من متابع إلى قاضٍ وجلاد.

المشهد الأول: ب لبن في قفص الاتهام الافتراضي

بمجرد انتشار الفيديو، بدأ “التريند”. انهالت التعليقات، وتسابقت الصفحات لنشر تفاصيل لم يتم التأكد من صحتها. خلال ساعات، لم يكن “ب لبن” مجرد شخص تم انتقاده، بل أُدين شعبياً، وخسر عمله واحترامه، حتى قبل أن تُتاح له فرصة الدفاع عن نفسه. تحولت القضية إلى وجبة ساخنة على مائدة الجمهور، الذي لم يترك مجالاً للقانون.

المشهد الثاني: وزير التعليم بين المطرقة والسوشيال ميديا

قرارات إصلاحية أو مثيرة للجدل، تكفي لتفجير غضب رقمي. وزير التعليم واجه اتهامات بالجملة من آلاف الحسابات، بعضها موضوعي وأكثرها مبني على إشاعات أو تحليلات غير دقيقة، وبعيداً عن تقييم السياسات، فإن الظاهرة الأخطر كانت في نغمة الخطاب: الإدانة المسبقة، والتشكيك في النوايا، والمطالبة بالإقالة دون انتظار تفسير أو تحقيق رسمي.

 

لماذا نحاكم قبل القضاء؟

الخبراء في الإعلام الرقمي يرون أن السوشيال ميديا أصبحت وسيلة للتنفيس الجمعي، وأن الجمهور يشعر بقوة رمزية عندما “يحاكم” شخصاً أو قضية، خاصة في ظل فقدان الثقة في المؤسسات أحياناً. لكن هذا التحول له آثار خطيرة:

 

انتهاك مبدأ البراءة حتى تثبت الإدانة.

 

تدمير السمعة قبل التحقيق.

 

صناعة رأي عام ضاغط قد يؤثر على سير العدالة.

 

أصوات من الواقع

يقول احد المحامين: “المتضرر من حملة إلكترونية لا يستطيع الدفاع عن نفسه بسهولة، وبعضهم يُحرم من حق الرد، ويُنفى اجتماعياً قبل أن يُنصفه القانون.”

ويضيف أستاذ من أساتذة الإعلام الرقمي: “الجمهور لم يعد مستهلكاً سلبيًا، بل فاعلاً ومؤثراً، لكن يجب التوعية بخطورة التحول من النقد إلى الإدانة.”

 

هل يمكن إعادة التوازن؟

السبيل الوحيد هو تعزيز ثقافة “التمهل” و”التحقق”، وتشجيع الإعلام المهني على التصدر بدلًا من ترك الساحة للمنصات غير المسؤولة.

كما أن على المستخدمين أن يتذكروا: “العدالة ليست لايكات وشير، بل حقائق ووقائع وإجراءات.”

الخلاصه:

“محكمة السوشيال ميديا” ليست بديلًا عن القضاء، ولا الجمهور مؤهل دائمًا للحكم على النوايا. ما نحتاجه هو وعي جمعي يُفرق بين التعبير الحر، وبين القتل المعنوي. فربما ننجو اليوم من “التريند”، لكننا جميعًا قد نقف غدًا في قفص الاتهام الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى