
** نجوى العيون : —
—————————
بقلم الكاتب : عبدالعزيز الطباخ
—————- ———————
… فى ليلة قمرية هادئة .. كنت أجلس وحيداً في شبه عزلة ، أختارها لنفسي أحياناً .. راغبا فى التأمل ، وإلاستغراق .. وكان الوقت ربيعا ،والقمر يملأ الدنيا أحلاما ، فبدت تلك الأحلام كلحن شجى ينساب من نبع الماضى الجميل ، ليسعد الروح ، ويطرب الفؤاد ..
… والنجوم ناعسة ، والليل يفرش أستاره حول أعناق الوجود ، وبقية من أحزان الشتاء كانت ما تزال هناك ، قابعة خلف جزوع الأشجار ، والفروع المتمايلة ترقب الغيوم فى حيرة وقلق ..
… وصوت الرياح تعصف على إستحياء بأوراق الشجر الذابلة .. ولم يخفف من غلواء هذه المشاعر ، ووحشتها ، سوى صورة القمر الهاديء ، الوديع ، أراه من خلف زجاج النافذة ،وكأنه بجوارى ، يؤانسنى ، ويسكب الألحان فى القلوب العطشي للتأمل والجمال ، وينير الكون بنوره الوضاء ، فأردت أن أحادثه ، وأبثه شكواى ونجواى ، فكان سلواي وأنسي ، بعد رب العزة .. سبحانه ..
… وتعجبت .. وتساءلت .. كيف لعين بهذا الحجم الضئيل أن ترى كل هذا الجمال الكونى ، من قمر سارى يبسط كل هذا الشعاع فيضئ الكون ، ونجوم ساطعة ، وسماء شاسعة .. فقلت فى نفسي ،وبصوت مسموع تهتز له كل خلجات نفسي ( سبحان الله .. الخالق المبدع ) ..
… والأعجب من ذلك .. أننا كثيراً ما نستطلع مآ يدور فى أعماق النفس البشرية من مشاعر متناقضة ، لمجرد النظر في العيون .. فهناك عين ترى من خلالها رقة وشفافية إنسان ، أو ترى قسوته من شذر نظرته .. أو ترى من خلالها خبثه ودهائه ، أو صراحته ووضوحه ..
… هنا تذكرت قصيدة شعرية عالمية رائعة.. بعنوان ( العيون .. ألا تدهشك العيون ) للأديبة / مي زيادة .. وكنت قد أعجبت بهذه القصيدة ،منذ زمن ، فدونتها في مذكراتى .. ولندع القصيدة تتحدث عن نفسها ، مع إختصارها ،وإضافة أو تعديل القليل جداً منها .. نظرنا لطولها : —
* تقول القصيدة : —
——————————
… ألا تدهشك العيون ؟ .. تلك التى تذكرك بصفاء السماء .. وتلك التى تريك مفاوز الصحراء وسرابها .. وتلك التي تعرض بخيالك فى ملكوت أثيري كله بهاء ..
… ألا تدهشك العيون ؟ .. تلك التى لا يتحول عنها بصرك .. أو تلك الغائرة فى محاجرها لشدة ما تتمعن وتبصر .. أو تلك التي تطفو عليها الأجفان بهدوء ، كما ترفرف أسراب الطيور البيضاء على بحيرات الشمال ..
… ألا تدهشك العيون ؟ .. العيون التى عسكرت فيها الأحقاد ، والعيون التى غرزت في شعابها الأسرار .. والعيون الصفراء ذات اللهيب .. والعيون التى تصرخ قائلة : بى احتياج إلى الألم ، أليس بين الناس من يتقن تعذيبى ؟ .. وتلك التي تقول : بي حاجة إلى الإستبداد ، فأين ضحيتى ..
… ألا تدهشك العيون ؟ .. تلك التى يتسع سوادها أمام من نحب ، وينكمش لدى من لا نحب ..
… ألا تدهشك العيون ؟ .. تلك التى لا تفتأ سائلة : ( من أنت ) .. وكأنها تعرفك منذ قرون ، وكلما أجبتها زادت إستفهاما ، مستطلعة خفاياك ، ثم تقول لك : ( ألا تعرفنى .. إذا أردت أن تعرفنى ” أنظر إلى مرآتك ، وتفرس فى حدقتيك تجدنى ” .. أنا أنت ، وأنت أنا ) ..
… ألا تدهشك العيون ؟ .. تفرس فى عمق أعماقهما ، تدهشك قدرة الله التى ترصد حركة الأنام ، وتساير دورة الأفلاك والأزمنة ..
… ألا تدهشك العيون ؟ .. قم إلى مرآتك .. وأنظر إلى عينيك الساحرتين .. هل درستهما وتمعنت فيهما قبل اليوم ؟ .. تلك التى يتعاقب فى مياهها الجائلة بين الأشفار والأهداب ، كل استخبار ، وكل إنجذاب ، وكل نفى ، وكل إثبات ..
… ألا تدهشك العيون ؟ .. العيون الرمادية بأحلامها .. والعيون الزرقاء بتنوعها .. والعيون العسلية بحلاوتها .. والعيون البنية بجاذبيتها ..
… ألا تدهشك العيون ؟ .. العيون التى تكره .. والعيون التى تحب .. والعيون التى تسعد .. والعيون التى تؤلم .. والعيون التى ترهبك وتقلقك .. والعيون التى تحتويك.. والعيون التى تزدريك .. والعيون التى تشعر .. والعيون التى تفكر .. والعيون التى تترنم .. والعيون التى تسبح في الخيال .. والعيون التى تتغنى بالجمال .. والعيون التى تسبح بحمد الله .. ألا تدهشك العيون .. ؟
————–” ———– ” ———————–




