مقالات
أخر الأخبار

الاستثمار في الذات مدخل ضروري للوجود! 

الاستثمار في الذات مدخل ضروري للوجود! 

***************************************

نعلم جميعا أن كل أمور الاستثمار تكون من خلال قدرتنا على توظيف مهاراتنا وممكناتنا وأدواتنا بإعمال الذات وفقا لهدف أو غاية يتعلق بتعظيم العوائد من خلاله، وهذا هو الاستثمار في عمومه، لأننا نعمد الى تعظيم الاستفادة بما هو متاح كمورد لتحقيق عوائد أكثر نفعية وربحية في حياتنا أو أمورنا على اطلاقها. 

 

ولكن يذهب بعض المفكرين ورواد علم النفس ومن بينهم متخصصي تنمية الموارد البشرية، الى أن هناك استثمارا آخرا ربما لا نلتفت اليه كثيرا في خضم انشغالنا بالاستثمار المادي متعدد الجوانب والأبعاد والعوائد… ، هذا الاستثمار يكون في أجمل وأرقى وأغلى ما يمكن أن يمتلكه الانسان ، انه استثمار في ذاته التي بين جنبيه بكل ما يمكن أن تحمله من خصائص وصفات وممكنات ومهارات وقابليات وأدوات ، ربما لا يلتفت اليها الشخص عن عمد ، فيعمل على الاستفادة منها وتعظيم الفوائد من خلالها ، أو لنقل الخير الكثير المقرون بها …

 

ولكن ما معنى أن تستثمر في ذاتك ؟ ، وهل يختلف الاستثمار في الذات عن الاستثمار بالذات ؟ ، وكيف يمكن أن نستثمر في ذواتنا ؟ ، قبل الاجابة على هذه الأسئلة نريد ببساطة أن نوضح أمرين يستكملان بثالث ، فأما الأول فهو أننا نعلم جميعا أو ينبغي أن نعلم أن الله الرحمن قد وهب الانسان أعظم وأجمل وأنفس مقومات الوجود وهبه العقل والتعقل ، ووهبه الحكمة كذلك ، وهبه القلب والوجدان ووهبه العاطفة من روعتهما ، ووهبه حسن التدبير ورجاحة المنطق وفن الإدارة ، والقدرة على التغيير من إقراره ، وأما الثاني فهو أن الوجود الانساني الايجابي مقرون بقدرتنا على ادارك الذات بما فيها و كذلك اداراك التفاعل المتناغم بينها وبين كل عناصر هذا الوجود للاستمرار المتوازن وروعة الإنجاز من خلاله ، وأما الثالث فهو أننا لا يمكن أن ننجح الا بتقويم ما أمكننا من الإدراك والإنجاز في سياق فهمنا الكبير لما من الله علينا به لعمارة الكون وقيادته نحو الافضل والأقوم والأكرم …

 

نعود فنقول أن الاستثمار في الذات يعني أن تعين ملكاتك على بلوغ حد الابداع في التعاطي والتفاعل والاستمتاع ، أن تتيح الفرصة للعقل أن ينمو وأن يبدع في أفكاره بتعزيز هذا النمو والابداع بمداخل العلم والتبصر والاطلاع والتدبر ، أن تتيح لقلبك أن يصفو على طبيعته وأن يتشكل الوجدان لكي يعطي ويمنح جمالا وعاطفة تتسع لتشمل كل المخلوقات فتعالج الضعف وترسي الجمال والرونق في التفاعل ، أن تمنح ذاتك الحرية في تقرير توجهها وأن تترك لها الفرصة للاختيار والتقرير والتخطيط بما يسعدها ويتوافق مع أصالتها ، أن تترك المجال لما تطمئن اليه النفس والروح لكي تغتذي وتمرح في معين ربها الكريم الفياض الفضفاض دون منغصات من هموم أو شكوى أو حزن وضعف ايمان …الخ .

 

والفرق بين هذا الاستثمار أعني الاستثمار في الذات والاستثمار بالذات كبير، لأن الاستثمار في الذات هو أهم وأول الاستثمارات لأنه يتعلق بالوجود الانساني على اطلاقه وإدراك عظمته، وهو كذلك يؤسس للبنيان الأكبر ويساعد على النجاح في الاستثمار بالذات والذي يتعلق بالأمور العادية وكيفية تحقيق أرباح وعوائد للإنسان في حياته الممتدة من المشروعات أو الأعمال التي يدخل فيها بمهاراته وقدراته وخبرته….

 

أما عن امكانية الاستثمار في ذواتنا فلها مداخل وأساليب مهمة وكثيرة ، ومنها أن تغذي العقل بالمعرفة الايجابية وأن تمنحه فيضا من الاتصال الكريم بخالقه ، فيعمد الى التبرير والاحتكام لما أقره ووهبه رب العالمين ، وأن تترك للقلب والروح والوجدان أن يتحركوا في محيط الانسجام مع خالقهم وروعة تقديره وتقريره ، مع الرقي والسمو في العاطفة والمشاعر ، فتهبهم ما يمكنهم من الحكم والتفرد في التعبير الكريم عنها في غير وصاية أو قانون يعطلها ، وأن تمنح الذات قدرا من الحرية في تسكين قواعدها في التلقي ومعيناتها في التدبر ، وممكناتها في الأداء من المعارف والإدراك والمهارات والارادة واتخاذ القرارات ،وأن تمنحها كذلك سياجا من الابداع تصنعه هي وتشرف عليه هي وترعاه هي ، وتتفاعل به ومن خلاله هي …

 

كل ذلك يمكن أن يتم لو أدرك الانسان أن وجوده لم يكن أبدا عبثيا وأن إقراره وقراره لم ولن يكون اعتباطيا، وأن حياته قد قدرت بحكمة بالغة ويقين مقتدر، وعلم قد جاوز بكل ملامحه معالم البشر وممكناتهم، وأن تركه الحرية لكي تكتمل ذاته هو من أمور الوجود العليا التي تقربه دائما من خالقه العظيم، فيدرك غاية الوجود الحقة، ويعلم أن الله ما خلقه الا ليسعده ويريح قلبه، ومن هنا علينا أن نبدأ، ونستثمر في الذات بكل ما أوتينا من قوة وقدرة وارادة ….

 

وللحديث بقية بإذن الله

 

أ.د. محمود فوزي 

أستاذ ورئيس قسم أصول التربية  

كلية التربية – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى