
من صفات عباد الرحمن ( العبادة والتهجد )
بقلم / القاسم محمد جعفر
إمام وخطيب بالأوقاف ورئيس القسم الديني بجريدة الصدارة الدولية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد فهذه هي الصفةٌ الثالثة من صفات عباد الرحمن من خلال سورة الفرقان وهذه الصفة تصف حالهم مع الله تعالى
قال تعالى( وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا )
والبيتوتة أنْ يُدرككَ الليل سواء أكنتَ نائمًا أم غير نائمٍ
وهذه الآية جاءت وصفًا لحالهم في معاملتهم مع ربهم وكان الحسن إذا قرأ ما تقدم يقول هذا وصفُ نهارهم , وإذا قرأ هذه قال هذا وصفُ ليلهم .
وقوله ( لِرَبِّهِمۡ ) متعلقٌ بآخر الآية أي سُجَّدًا وَقِيَامًا لربهم وقُدِمَ عليه رعاية للفاصلة والتخصيص .
والقيام جمع قائم أو مصدر أُجري مجرى الجمع أي يبيتون ساجدين وقائمين لربهم سبحانه أي يُحيون الليل كلًا أوبعضًا بالصلاة .
وقيلَ: مَنْ قرأ شيئًا من القرآن بالليل في صلاة فقد بات ساجدًا وقائمًا .
وقيلَ: أُريدَ بذلك فعل الركعتين بعد المغرب والركعتين بعد العشاء .
وقيلَ: مَنْ شفَعَ وأوترَ بعد أنْ صلَّى العشاء فقد دخل في عموم الآية وبالجملة في الآية حضٌ على قيام الليل في الصلاة وقدَّمَ رب العالمين السجود على القيام ولم يعكس وإنْ كان متأخرًا في الفعل لأن أقرب ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجد
وخَصَّ رب العالمين وقت الليل بالذكر لأنَّ العبادة فيه أخشع وأبعد عن الرياء وشبيه بهذه الآية
قوله تعالى:( تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ )
وقوله تعالى ( كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ )
وقوله تعالى ( أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِ)
ولقد حَثَّ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على قيام الليل لما في الليل من الصفاء الروحي والتلذذ بالمناجاة والابتهال قال تعالى ( أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا )
وقد حَثَّ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على كثرة الدعاء والسجود وقيام الليل وذلك في أحاديث كثيرة منها
عن عائشة رضي الله عنها أنَّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه
فقالت عائشة رضي الله عنها لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخر؟ قال:” أفلا أُحبُ أنْ أكونَ عبدًا شكورًا
هذا هو حال النبي صلى الله عليه وسلم ليلًا يقوم حتى تتفطر قدماه ولقد مدح الله تعالى قيامه بالليل فقال ( إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ )
وبيَّنَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ صلاة الليل لها فضلٌ كبيرٌ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم:” أفضلُ الصيام بعدَ رمضان شهرُ الله المحرم وأفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل )
وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيها الناس أفشوا السلام , وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام )
وبيَّنَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة صلاة الليل
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجلٌ فقال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفتَ الصبح فأوتر بواحدةٍ )
وبيَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ وقت الليل وقت الفتوحات الربانية والدعاء المستجاب
فعن جابر رضي الله عنه قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” إنَّ في الليل لساعة لا يُوافقها رجلٌ مسلمٌ يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه, وذلك كل ليلة)
فما أحوجنا الي العبادة والتهجد وأن نرفع اكف الضراعة إلي الله تعالي ونسأله أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يحفظ مصر من كل مكروه وسوء
وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين




