مقالات
أخر الأخبار

مصر بين التحديات الإقليمية والاستراتيجية الأمن قبل كل شيء

بقلم / بسملة عمر

في ظل الأحداث المتسارعة بالشرق الأوسط تظل مصر لاعبًا رئيسيًا قادرًا على اتخاذ قرارات حاسمة تحمي مصالحها القومية وتؤثر على المشهد الإقليمي خلال السنوات العشر الماضية شهدت البلاد تحولات كبيرة ركزت على تطوير البنية التحتية وتعزيز القدرات العسكرية وهي تحركات أثارت تساؤلات حول الاستراتيجية التي تنتهجها القيادة المصرية

عشر سنوات من البناء والاستعداد

على مدار العقد الماضي قامت مصر بإنشاء شبكة طرق وكباري غير مسبوقة مما أسهم في ربط جميع أنحاء البلاد بشكل فعال المسافة بين سيناء والقاهرة تقلصت إلى 300 كيلومتر كما تم ربط شمال سيناء بجنوبها عبر أنفاق وكباري لأول مرة منذ حرب 1973 هذه التطورات لم تكن مجرد مشاريع تنموية بل جزءًا من رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز السيطرة وتأمين التحركات العسكرية في أي سيناريو مستقبلي

في موازاة ذلك تنوعت مصادر التسليح بشكل غير مسبوق لم تعد مصر تعتمد فقط على الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للسلاح بل قامت بتوقيع اتفاقيات مع الصين وروسيا وفرنسا مما منحها استقلالية أكبر في قراراتها العسكرية وخفف من أي ضغوط محتملة من الغرب هذا النهج جعل الجيش المصري أكثر قوة وجاهزية لأي مواجهة محتملة

رفض قاطع لتهجير الفلسطينيين

في الآونة الأخيرة تصدرت قضية تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة المشهد السياسي مصر أعلنت موقفها بوضوح مؤكدة أن أي محاولة لتهجير سكان غزة مرفوضة تمامًا القاهرة تعتبر أن هذه الخطوة تشكل خطرًا مباشرًا على الأمن القومي المصري وترفض أن تكون سيناء خيارًا لأي حلول على حساب القضية الفلسطينية

الموقف المصري لم يكن مجرد تصريحات دبلوماسية بل جاء مقرونًا بإجراءات فعلية فقد رفض الرئيس السيسي حضور أي محادثات في البيت الأبيض إذا تضمنت مناقشة خطة ترامب لتهجير الفلسطينيين كما شددت مصر على أن تهجير السكان لن يكون حلًا للأزمة بل سيخلق مشاكل أكبر قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي لا يمكن احتواؤه

التصعيد الإسرائيلي ومحاولات التشويه

على الجانب الآخر خرجت تصريحات إسرائيلية تستهدف الموقف المصري حيث زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن مصر تفرض حصارًا على غزة في محاولة لتحميلها جزءًا من المسؤولية هذه التصريحات قوبلت برد حاسم من القاهرة التي أكدت أن إسرائيل تحاول تبرير جرائمها بحق الفلسطينيين وتصرف الأنظار عن انتهاكاتها المستمرة

وفي خطوة استفزازية أخرى نشرت صحيفة إسرائيلية صورة تجمع الرئيس السيسي بالرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في محاولة لإثارة الجدل هذه المحاولة اعتبرتها مصر محاولة فاشلة للضغط على القاهرة وإحداث بلبلة سياسية

التحركات الدبلوماسية المصرية

وسط هذه التطورات توجه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى واشنطن لإجراء محادثات مكثفة مع المسؤولين الأمريكيين لشرح الموقف المصري بشكل واضح والتأكيد على رفض القاهرة القاطع لأي محاولات لفرض حلول بالقوة بالتزامن مع ذلك دعت مصر إلى قمة عربية طارئة لبحث التطورات الأخيرة في القضية الفلسطينية وتنسيق المواقف العربية في مواجهة الضغوط الدولية

الأمن قبل الاقتصاد

على مدار السنوات الماضية أكد الرئيس السيسي في أكثر من مناسبة أن الأمن القومي يأتي في المقام الأول حتى لو تطلب ذلك تقديم تضحيات اقتصادية الكثيرون انتقدوا السياسات الاقتصادية للحكومة لكن التطورات الأخيرة أثبتت أن الأولوية للأمن كانت ضرورية في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها المنطقة اليوم وبعد ما شهدته غزة من عدوان إسرائيلي وحشي أصبح واضحًا أن مصر كانت تستعد جيدًا لهذا اليوم

الجيش المصري اليوم يتمركز في المناطق التي كانت محظورة في سيناء رغمًا عن إسرائيل وأمريكا رفح أصبحت منطقة عسكرية تضم آلاف الجنود والمعدات واشنطن التي كانت تضغط على القاهرة تجد نفسها الآن تتراجع وتتجنب أي مواجهة مع مصر إسرائيل من جانبها تحاول إرسال رسائل تطمين بأنها تحترم معاهدة السلام لكن الواقع يقول إن المعادلة تغيرت وأن مصر أصبحت تمتلك زمام المبادرة

توحيد الصف الوطني

ما يحدث الآن يؤكد أن رؤية القيادة المصرية كانت مدروسة بعناية وأن الأولوية للأمن كانت في محلها اليوم نحن أمام لحظة تاريخية تستوجب التكاتف خلف الدولة وتفويت الفرصة على أي محاولات لإضعاف مصر المنطقة تمر بمرحلة حساسة ولا مجال فيها للانقسام أو التشكيك في القرارات التي تصب في مصلحة الأمن القومي لم يعد هناك مجال للحياد إما أن نكون مع الدولة أو نترك مصيرنا لأطراف لا تريد لنا الخير

الرهان على مصر لم يكن يومًا خاسرًا والتاريخ يشهد أن من يستهين بقدرتها على حماية مصالحها يجد نفسه في النهاية أمام واقع مختلف. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى