مقالات

مقامك حيث أقامك… بلاغ من السماء عن قدرك عند الله.

بقلم الدكتور سامح فرج حموده.

حين تستيقظ صباحًا، وتبدأ يومك إما في ذكر أو غفلة، في طاعة أو لهو، في عمل لله أو انشغال بالدنيا، هل خطر ببالك أن هذا “الحال” قد لا يكون مجرد اختيار منك، بل هو بلاغ إلهي صامت عن مقامك عند الله؟

كلمات قليلة، لكنها تحمل معاني تهز القلب: “مقامك حيث أقامك”.
ليست مجرد عبارة تُقال، بل مرآة تكشف لك ما بينك وبين الله، بغير صوت ولا جدال.

جاء في الأثر: “إذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله، فانظر فيم أقامك”.
فإذا أقامك على طاعته، فذاك من دلائل محبته.
وإن أقامك على ذكره، فذاك إشارة إلى أنه يذكرك.
وإن أقامك في مجالس القرآن، فاعلم أنه يكلمك.
وإن أقامك في خدمة الخلق، فذاك تشريف لك دون أن تطلب.
وإن أقامك في الغفلة أو اللهو أو الصراخ في الأسواق، فراجع قلبك، فقد أدارك الله عن بابه.

يقول الله عز وجل: “ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانًا فهو له قرين” [الزخرف: 36]،
ويقول أيضًا: “فاذكروني أذكركم” [البقرة: 152]،
فانظر أي الطريقين تمشي فيه.. طريق من ذُكِر فذَكَر، أم من عَشِيَ قلبه فاستحوذ عليه الشيطان؟

رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن ما نحن فيه من انشغال هو علامة على إرادة الله لنا، فقال:
“من يُرد الله به خيرًا يُفقهه في الدين” [متفق عليه]،
فإذا رأيت نفسك تُحب العلم، وتطلب الفهم، وتتعلق بالطاعة، فهذه ليست صفاتك، بل هي إشارات من الله أنه أراد بك خيرًا.

وكان الإمام ابن الجوزي يقول: “يا هذا! إذا رأيت الله يؤنسك بذكره، ويمنحك لذة الطاعة، فلا تظنن أن هذا من نفسك، بل احمد الله أن اختارك من بين خلقه لتكون من المقرّبين”.

بل حتى حالك في الدعاء يكشف مقامك، فإذا شغلك الله بالدعاء، فلا تظنن أنه أبطأ في الإجابة، بل هو يُربّيك على الأمل، ويُمهّد لك العطاء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إن الله حييّ كريم، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين” [رواه أبو داود والترمذي].

وليس أشد ظلمًا للنفس من أن تنشغل بالدنيا وتغفل عن الآخرة، أو أن تُستدرج إلى القيل والقال وفضول النظر والكلام، فتجد وقتك يذهب في ما لا ينفع، وتنصرف عن ما يُقربك من الله.

وفي هذا يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
“ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي”.
فأيامك ليست مجرد تواريخ، بل مقامات يُقيمك الله فيها: إما في القرب، أو في البعد، وإما في الرفعة أو الغفلة.

فيا عبد الله، إذا أقامك الله في مقام الذكر، فلا تطلب مقامًا غيره.
وإذا شغلك بالقرآن، فلا تتمنَّ الانشغال بغيره.
وإذا جعلك في خدمة أهلك وأحبابك بنية صادقة، فذاك مقام كريم.
وإذا أراك الناس في وجهك الطاعة، فلا يغُرّك المظهر إن كان القلب غائبًا.

واحذر كل الحذر أن تكون ممن أقامهم الله في مقامات الدنيا وحدها، يبحثون عن المال والجاه والظهور، ونسوا أن الله ما خلقهم إلا ليعبدوه، وما منحهم نعمة الوقت والعقل واللسان إلا ليُذكروه.

ولعل من أعمق ما قيل في هذا المعنى قول أحد السلف:
“احذر أن تشتغل بما لم يُشغلك الله به، فتفوت ما أقامك الله عليه”.

تأمل في حال “الجُعل”، تلك الحشرة التي تضرب بها الأمثال، لأنها لا تعيش إلا على النجاسة، وتألف القاذورات، وتفرّ من الطيب، كما قالوا:
“يفرّ الجُعل من الطيب كما يفر بعض الناس من الطاعة”،
فتشبيه من انقلبت فطرته، وأحب المعصية وكره الطاعة، بحشرةٍ لا تعرف قيمة الطيب، بل تؤذيه رائحته، رغم أنه زكاة ونقاء.

فليتنا نستشعر هذا المعنى ونحن نُصلّي، ونذكر، ونتعلم، ونساعد، ونخلص.
فما نحن فيه ليس عادة ولا روتينًا، بل هو مقام شرّفنا الله به، فإن عرفنا قدره ثبتنا عليه، وإن جهلناه، كُنا كمن أُخرج من القصر ليعيش في الزُقاق.

فيا من تقرأ الآن، انظر فيم أقامك الله، ولا تحاول أن ترتقي إلى مقامٍ لم يُكتب لك، ولا ترضَ أن تنزل من مقام رفعك الله إليه.
فمقامك حيث أقامك.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي أقامه الله مقام الحمد، وقال له: “ورفعنا لك ذكرك” [الشرح: 4]،
واجعلنا من أهل المقام المرضي، الذين إذا ذُكروا في الأرض، ذُكروا في السماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى