كتبت : نادية صالح
رحلت الحاجة نجلاء عن دنيانا في صمتٍ موجع، صمت لم تكسره صرخة، ولم يسمعه جار، ولم تنتبه له أسرة.
شهرٌ ونصف مرّ وهي ملقاة على أرض شقتها، جسدٌ أنهكه المرض، وسنٌّ أثقله العجز، وقلبٌ كان ينتظر فقط أن يطرق أحدهم الباب.
كانت مسنّة عاجزة، تتحرك بمساعدة مشاية، لا تملك من أمرها إلا الصبر.
ربما سقطت، ربما انزلقت، وربما تعثّرت ولم تستطع النهوض.
تخيّل أن تمرّ الدقائق، ثم الساعات، ثم الأيام، وأنت تنتظر يدًا تمتد، صوتًا يسأل، أو حتى نظرة رحمة… ولا يأتي أحد.
حتى خرج السر الإلهي، وتحلّل الجسد، وبقيت القصة شاهدًا على قسوة الإهمال.
الطب الشرعي أكد أن الوفاة حدثت منذ شهر ونصف، والجيران لم يشعروا، والأهل لم يسألوا، إلا بعد أن قررت ابنتها – مشكورة – أن تطمئن عليها بعد كل هذا الغياب، لتجد الحقيقة الصادمة: أمٌّ ماتت وحيدة، بلا وداع، بلا رعاية، بلا إنسان إلى جوارها.
الواقعة ليست مجرد خبر حزين،
بل جرس إنذار أخلاقي وإنساني.
كبار السن ليسوا عبئًا، بل أمانة.
ترك المسنّ وحده، خاصة إن كان مريضًا أو عاجزًا، هو خطر حقيقي قد ينتهي بمأساة، كما حدث مع الحاجة نجلاء.
السؤال الذي يفرض نفسه: أين الأبناء؟ أين الأقارب؟ أين الجيران؟ وأين الرحمة التي أوصانا بها الدين والضمير؟
رعاية كبار السن لا تعني فقط الطعام والدواء، بل السؤال، المتابعة، الاطمئنان اليومي، وزيارة تكسر وحشة الوحدة.
دقيقة اهتمام قد تنقذ حياة، ومكالمة هاتف قد تمنع فاجعة.
رحم الله الحاجة نجلاء رحمة واسعة، وجعل قصتها درسًا قاسيًا يوقظ القلوب الغافلة.
فالدنيا لا يبقى فيها شيء، وما يتبقى لنا حقًا هو إنسانيتنا…
فهل ما زالت ؟
زر الذهاب إلى الأعلى