مقالات
أخر الأخبار

لماذا يُهاجَم الصادقون؟! حين يصبح قول الحقيقة جريمة لا تُغتفر”

“لماذا يُهاجَم الصادقون؟! حين يصبح قول الحقيقة جريمة لا تُغتفر”

بقلم د.سامح فرج

في كل مجتمع، هناك أشخاص يسيرون عكس التيار، ليس بدافع التمرد أو حب الاختلاف، ولكن لأنهم اختاروا طريق الصدق والوضوح في عالم يفضل فيه الكثيرون المجاملة والمراوغة. هؤلاء الذين يرفضون التلون أو التنازل عن مبادئهم، يجدون أنفسهم في مواجهة غير متكافئة مع جحافل من المنتقدين والمشككين، وكأن الصدق أصبح جريمة يعاقَب عليها صاحبها، وكأن الثبات على المبدأ أصبح تهمة تستوجب الإقصاء والتشهير.

 

الظاهرة ليست جديدة، بل تمتد عبر التاريخ، حيث كان الأنبياء والمصلحون والمفكرون الأكثر عرضة للاتهامات الباطلة والملاحقة. واليوم، يستمر المشهد نفسه ولكن بأدوات حديثة، حيث تنتشر حملات التشويه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتُستخدم الشائعات كسلاح لتدمير السمعة، وأحيانًا تتخذ أشكالًا أكثر تطورًا من الإقصاء الوظيفي والاجتماعي لكل من يجرؤ على أن يكون مختلفًا أو مستقيمًا في وسط مليء بالمجاملات الزائفة.

 

يروي أحد الإعلاميين وهو إعلامي مستقل، كيف تحول من شخص يحظى بتقدير واسع إلى هدف لحملات التشويه لمجرد أنه كشف بعض الحقائق غير المرغوبة. يقول: “في البداية، كنت أظن أن الناس يبحثون عن الحقيقة، لكنني أدركت أن كثيرين يفضلون العيش في وهم جميل على مواجهة الواقع القاسي. حين بدأت في طرح قضايا حساسة بموضوعية، فوجئت بأن من كانوا يشيدون بي بالأمس هم أول من هاجمني اليوم، وكأنني خنت توقعاتهم بألا أقترب من الخطوط الحمراء.”

 

التجربة نفسها تكررت مع ناشطة في مجال حقوق الإنسان، التي تعرضت لحملة تشويه ضخمة لمجرد أنها سلطت الضوء على قضايا مسكوت عنها. تقول: “الأمر ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل هو عداء شديد لكل من يحاول كشف زيف الصورة المثالية التي يريد البعض إبقاءها كما هي. عندما تواجه كذبًا متعمدًا أو فسادًا مستترًا، فأنت لا تحرج شخصًا واحدًا فقط، بل تهدد شبكة كاملة من المصالح، ولهذا يصبح الهجوم عليك مسألة وقت.”

 

لماذا إذن يُهاجَم هؤلاء رغم أنهم لم يرتكبوا جريمة سوى قول الحقيقة؟ علماء النفس والاجتماع لديهم تفسيرات متعددة لهذه الظاهرة. يقول احد أساتذة علم الاجتماع: “الإنسان بطبيعته يميل إلى الدفاع عن قناعاته، حتى لو كانت خاطئة، وعندما يأتي شخص ما ليكشف زيف هذه القناعات، فإن ذلك يشكل تهديدًا نفسيًا عميقًا. من الأسهل مهاجمة الشخص الذي يحمل الرسالة بدلًا من مواجهة حقيقة أن الرسالة نفسها قد تكون صحيحة.”

 

العوامل الاجتماعية تلعب أيضًا دورًا كبيرًا في هذه الظاهرة. المجتمعات التي تعاني الفساد المؤسسي غالبًا ما تعزز ثقافة الصمت والمجاملة، وتجعل من الصعب على أي شخص أن يكون صادقًا دون أن يدفع ثمنًا باهظًا، يقول الكتاب الصحفيين في بعض البيئات، يتم تصنيف الصدق على أنه سذاجة، والتمسك بالمبادئ على أنه عناد، بينما يعتبر النفاق ذكاءً اجتماعيًا. هذه الثقافة تجعل من الصعب جدًا على أي شخص أن يلتزم بموقفه دون أن يتحول إلى هدف للهجوم.”

 

لكن هل هذا يعني أن الحل هو التراجع والصمت؟ البعض يعتقد ذلك، خاصة بعد أن رأى كيف انتهى الحال بكثير من أصحاب المبادئ إما إلى العزلة، أو إلى التخلي التدريجي عن قناعاتهم في محاولة لتجنب العداء. لكن هناك من يرفض الاستسلام، ويرى أن قول الحقيقة، رغم ثمنه الباهظ، يظل واجبًا أخلاقيًا لا يمكن التخلي عنه.

 

في النهاية، تظل الحقيقة رغم كل شيء، حتى لو كُذبت في البداية أو شُوهت أو حوربت. وكما يقول المثل: “يمكنك أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع الجميع طوال الوقت.” ومع مرور الزمن، سيبقى أصحاب المبادئ ثابتين، وسيكتشف من هاجموهم أنهم كانوا يحاربون طواحين الهواء، بينما تبقى الحقيقة صامدة رغم كل العواصف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى