
تحفة معمارية مهجورة وسؤال معلّق: لِمصلحة مَن؟ تحقيق: مروة أبوسالم
أحد شوارع مدينة طنطا الهادئة، يقف قصر الأميرة فريال — المعروف لدى أجيال من أبناء المدينة باسم مدرسة الأزهار — مغلق الأبواب، صامت الجدران، بلا لافتة تُعرّف هويته أو توضح مستقبله.
مبنى كان يومًا جزءًا من التاريخ الملكي، ثم من المنظومة التعليمية، أصبح اليوم مهجورًا بلا استخدام، وسط غياب تام لأي خطة معلنة للترميم أو الاستغلال.
من قصر ملكي إلى مدرسة شعبية
يرجع تاريخ القصر إلى النصف الأول من القرن العشرين، وينسب إلى الأميرة فريال بنت الملك فاروق الأول، ويتميز بطراز معماري أوروبي نادر في دلتا مصر، من حيث الزخارف والواجهات والمساحات الداخلية الواسعة.
بعد ثورة يوليو 1952، تغيّر استخدام القصر شأنه شأن العديد من القصور الملكية، ليتم تخصيصه لاحقًا كمبنى تعليمي تحت اسم مدرسة الأزهار الابتدائية، والتي ظلّت تعمل لسنوات طويلة، وشكّلت جزءًا من ذاكرة الطفولة والتعليم لأهالي المنطقة.
لكن مع نقل المدرسة إلى مقر آخر، أُغلق القصر، ومنذ ذلك الحين دخل في مرحلة الفراغ الوظيفي.
مشهد الإهمال: مبنى بلا دور
رصد التحقيق، من خلال المعاينة الميدانية، أن القصر:
مغلق منذ سنوات دون أي نشاط
لا توجد عليه لافتة تحدد الجهة المسؤولة
يعاني من تدهور تدريجي في حالته المعمارية
لا يخضع لأي أعمال صيانة أو حماية واضحة
ورغم موقعه الحيوي في قلب المدينة، لم يتم توظيف القصر لأي غرض ثقافي أو خدمي أو سياحي، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا الإهمال المستمر.
غياب المسؤول… وتضارب الاختصاصات
أحد أبرز الإشكاليات التي يكشفها التحقيق هو غياب جهة واضحة تعلن مسؤوليتها المباشرة عن القصر.
فبين كونه مبنى ذا طابع تاريخي، وبين خروجه من الاستخدام التعليمي، يبدو القصر عالقًا بين عدة جهات، دون أن يتولى أي طرف ملفه بشكل كامل.
هذا الوضع يفتح الباب أمام:
تعطيل قرارات الترميم
غياب التمويل
وتراكم الإهمال دون محاسبة
مطالبات رسمية بلا تنفيذ
في عام 2023، تقدم أحد أعضاء مجلس الشيوخ باقتراح برغبة لتحويل القصر إلى قصر ثقافة يخدم أبناء طنطا ومحافظة الغربية، مؤكدًا أن استمرار إغلاقه يمثل إهدارًا واضحًا لقيمة تراثية ومعمارية مهمة.
ورغم تداول الاقتراح في وسائل الإعلام، لم يظهر على أرض الواقع أي تحرك تنفيذي، ولم تُعلن الجهات المعنية عن جدول زمني أو خطة واضحة لإعادة إحياء القصر.
شهادات من محيط المكان
عدد من سكان المنطقة أكدوا أن القصر:
لم يشهد أي نشاط منذ سنوات طويلة
تحوّل إلى مبنى مهجور يثير التساؤلات
كان من الممكن أن يصبح مركزًا ثقافيًا أو متحفًا أو مساحة تعليمية للشباب
ويؤكد بعضهم أن الإهمال لا يضر بالمبنى فقط، بل يسيء للصورة الحضارية للمدينة.
لِمصلحة مَن يستمر الإغلاق؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه التحقيق:
هل الإهمال سببه غياب التمويل؟
أم تعقيدات قانونية متعلقة بالملكية أو التسجيل؟
أم عدم وجود رؤية حقيقية لاستغلال التراث خارج العاصمة؟
في جميع الحالات، لا توجد إجابة رسمية واضحة، بينما يظل القصر مغلقًا، ويظل المجتمع المحلي محرومًا من الاستفادة من أحد أهم مبانيه التاريخية.
التراث لا يُهدر فقط بالهدم
قصر الأميرة فريال مثال حي على أن فقدان التراث لا يحدث فقط بالجرافات، بل أيضًا بالتجاهل والإهمال والصمت.
فكل يوم يمر دون تدخل، يعني تآكلًا جديدًا في ذاكرة المكان، وضياع فرصة لتحويل التاريخ إلى قيمة حقيقية تخدم الحاضر.
خاتمة التحقيق
يبقى قصر الأميرة فريال بطنطا ملفًا مفتوحًا يحتاج إلى إجابة واضحة:
من المسؤول عنه؟
وما مصيره؟
ومتى يتحول من مبنى مهجور إلى مساحة حية تخدم المجتمع؟
إلى أن تُحسم هذه الأسئلة، سيظل القصر قائمًا…
لكن بلا حياة.
زر الذهاب إلى الأعلى