
* قبل أن تبرد القهوة :
——————————
بقلم الكاتب والمحامي : عبدالعزيز الطباخ
—————————- ———————-
… إن من أكثر الخسائر التي يتعرض لها الإنسان فى حياته ، وتثير فى داخله مزيجا من اليأس ، والحزن ، والشجن .. أن يفتقد الإنسان متعة الإنسجام النفسي والروحي والوجداني .. فيفقد معها أجمل عطايا الحياة .. بل ويفقد معها حلمه الذي من المفترض أنه يعيش من أجله .. حلمه الذي تتوق إليه نفسه ، وتهفو روحه ، وسط صراع الحياة ، وجري الوحوش الذي نعيشه اليوم .. فيدفع الثمن غالياً من قلبه وروحه وصحته وأعصابه …
… إن آفة الإنسان أنه يتغافل عن نعمة التفكر التي حبانا بها رب العزة ” سبحانه ” .. فيلقي بنفسه فى أتون الغضب ، ويستسلم لحياة السخط ، وسباق الفئران بلا عقل ولا روية ولآ هدف ولآ معني .. فيستسلم لعتمة اليأس ، وظلمة التشاؤم ، تلك التي تقودنا إليها أقدام الوهم ، والحقيقة الغائبة ، والفكر السقيم .. وكل ذلك لأننا لم نحسن التفكير ، ولم نتدبر ، ولم نتوقف فى لحظة هدوء ، ونفكر عن مدى جدوي مآ فعلناه فى الماضي ، ومآ سنفعله الآن بحاضرنا …
… إن الإنسان يحتاج فى رحلته نحو تقرير مصيره ، إلي إعطاء نفسه فرصة للتفكير الهاديء ، ذلك الفضاء الواسع هو من يمكنه من احتضان مآ يدور بداخله .. وهذا بالطبع يتطلب نوعا من الزهد ، والعزلة ، والتصوف ، والخيال ، وإمعان الفكر .. وكلما قلت حاجة الإنسان إلى غيره من البشر ، إزدادت قدرته على فهم ذاته ، وتضاعفت حظوظه فى التصالح معها .. وكلما إتسعت تجاربنا في الحياة وتعددت أحداثها ، ضاقت دائرة علاقاتنا بالآخرين ، وليس ذلك ذلك ترفعا منا ، أو تكبرا .. ولكن المواقف ، والعثرات ، والخيبات تعلمنا أن نكون أكثر حرصاً فى تعاملاتنا مع من حولنا ، وأكثر دقة فى إختيار أصدقائنا ، ورفقاء حياتنا ، بل وجيراننا إن أمكن ذلك …
… وكثيراً مآ يكره الإنسان العمق في التفكير .. لأنه سيأخذ بيده نحو الحقيقة .. حقيقة نفسه التي تخدعه ، واستمرأ خداعها ، وحقيقة الآخرين الذين يخدعونة ، فأحب خداعهم ليعيش بعضاً من السعادة الموهومة فى عالمهم المزيف ، حتي ولو كانت النتيجة فى النهاية هى فقدانه لذاته .. والإنسان غالباً مآ يكره الحقيقة لأنها موجعة .. ولأنها توقظه بقسوة من رقاده الطويل الذي استسلم له ، وتضعه في مواجهه مع نفسه .. بينما هو يحب الوهم ، والخداع ، والتهويل ، وارتداء الأقنعة التي يضلل بها نفسه ، والآخرين ليعيش دورا فى مسرحية هزلية ، مسرحية تسدل أستارها قبل أن ينفض الجمهور ، وقبل أن يكتمل التصفيق ، وتطفأ الأنوار .. وينقضي العمر …
… ولقد أثارت إنتباهي ، الرواية اليابانية ( قبل أن تبرد القهوة ) .. فكانت القهوة كمكان للجلوس فيه : هي رمزاً للزمن الذي لآ يتوقف .. ويشترط الكاتب للجلوس هنا على القهوة .. أن تجلس لتتأمل وتشرد بذهنك بعيداً لكي تفهم ذاتك ، تفهم مآ يدور بداخلك ، لكي تعلم عن نفسك مآ لم تكن تعلم .. فالزمن هنآ يمشي رغم توقفك لتناول قهوتك .. وأثناء تناول القهوة : يطرح الكاتب سؤال وجودي .. هل من المهم أن نغير الماضي الذي يستحيل تغييره ، أم نفهمه ونتصالح معه .. فالزمن هنآ ليس أداة إصلاح ، بل أداة فهم ، وتصفية حساباتنا مع النفس .. ففي الحب اليائس أو الضائع يبحث الرجل ، أو تبحث المرأة عن طريقة لرؤية الحبيب قبل رحيله .. وفى الزواج المهدد بالفشل تبحث الزوجة عن لحظة مواجهة صادقة مع النفس تنقذ بها زواجها …
… إن مثل هذه التساؤلات تثير فى أنفسنا اليقظة ، والحذر من ضياع ما تبقي لنا من سنين ربما قد لا تسعفنا الأقدار لنعيشها بالفعل .. ولكن ماذا لو عشناها ؟ .. هل نتركها تمضي أمام أعيننا سدي ، كما ضاع غيرها من سنين .. وهل نتركها تفر من بين أيدينا ، ونحن من سنسأل عنها أمام أنفسنا ، وأمام خالقنا …
… إن مثل هذه التساؤلات : تظهر لنا أننا في أمس الحاجة لإيجاد معني لحياتنا ، بل لإيجاد معني للحظة التي نعيشها الآن ، والتي قد لآ تتكرر أبداً .. ولتحقيق ذلك ، ليس علينا أن نسعي لتغيير الماضي ، فقد مضي وانتهي أمره .. ولآ يمكن استنساخة أو إرجاعه مرة أخري .. بل وجب علينا إيجاد معني لحياتنا .. بأن نعيش اللحظة ، ولآ ننتظر فرصة قد لآ تأتي أبداً .. فالماضي هنآ لن يتغير أبداً ، ولكن نظرتنا إليه هى من يجب أن تتغير …
… إن قيمة حياتنا الآن لن يصبح لها معني ، إذا تمسكنا بمواجهة الماضي ، وإنما بالخبرة التي اكتسبناها منه ، وبالنضج الذي وصلنا إليه ، رغم الفقد ، ورغم الخسائر ، ورغم الإنكسارات ، ورغم كل مآ ضاع منا من عمر ، فى مسيرنا عبر رحلتها .. ولن يهدأ لنا بال إلا بتصالحنا مع أنفسنا ، وبالصفح عن ماضينا .. وأن نكف عن عتاب الحياة علي ما فعلته بنا .. رغم أنها مدينة لنا بالكثير .. والكثير جداً ؛؛؛
… ويثور التساؤل هنآ : —
———————————–
* ماذا سيفعل كل منا إذا صنع قهوته ، وجلس وحيداً ، وشرد بفكره ، ووجدانه ، وخياله ، وسافر بعيداً .. بعيداً .. إلي الماضي في لحظة يغلب فيها الفكر ، وتسطع أضواؤه .. هل سيتغير للأفضل .. أم يظل كما هو مشتتا فى داخله ، منغلقاً على نفسه ، سجينا لقضبان يأسه ؟
——————————————
الكاتب والمحامي : عبدالعزيز الطباخ
———————————————-



