مقالات
أخر الأخبار

عِشْ ما شئتَ فإنك ميِّت

ما شئت… فالحقيقة لا تُؤجَّل

بقلم دكتورة منى الرفاعى 🤍

جاء جبريلُ عليه السلام إلى النبيِّ ﷺ بكلماتٍ لو وعتها القلوب، لانكسرت أمامها أوهامُ الدنيا كلِّها:

«يا محمدُ، عِشْ ما شئتَ فإنك ميِّت، وأحبِبْ من شئتَ فإنك مفارقُه، واعملْ ما شئتَ فإنك مجزيٌّ به».

ليست كلماتٍ تُقال، بل موازين تُقام، وحُجج تُغلق باب الغفلة إلى الأبد.

عِشْ ما شئتَ فإنك ميِّت

أي لا خلودَ لجسد، ولا بقاءَ لسلطان، ولا أمانَ لقوة.

تُشيَّد القصور، وتُرفع الألقاب، وتُحشد الأضواء…

ثم يُطوى المشهد كلُّه في لحظة، ويُحمل صاحبه إلى حفرةٍ ضيّقة، لا تتّسع إلا لعمله.

فما الدنيا إلا ممرّ، وما الإنسان فيها إلا عابرٌ مُؤقَّت، وإن طال به المقام.

وأحبِبْ من شئتَ فإنك مفارقُه

فراقٌ كُتب قبل اللقاء،

وساعةٌ تفصل بين قلبٍ وقلب، مهما طال الأنس واشتدّ الوصال.

فلا تتعلّق تعلّقَ الغافلين،

ولا تجعل قلبك رهينةً لما هو زائل،

فأشدُّ الخسارات ليست في ذهاب الأحباب،

بل في انكسار القلب حين يظنّ أن الفناء استثناء.

واعملْ ما شئتَ فإنك مجزيٌّ به

وهنا تُسدل الستارة عن أخطر الحقائق.

كلُّ فعلٍ محفوظ،

وكلُّ نيةٍ مكتوبة،

وكلُّ ظلمٍ مُرصَد،

وكلُّ دمعةٍ لها موعد مع العدل الإلهي الذي لا يخطئ ولا ينسى.

لا تمرّ إساءة بلا حساب،

ولا يضيع خيرٌ ولو خفي عن أعين البشر.

الدنيا تمنح، نعم…

لكنها لا تضمن،

وتُغري، لكنها لا تُنقذ،

وتضحك طويلًا، ثم تُسلمك للحقيقة وحدك بلا شفاعة.

من وعى هذه الكلمات،

لم يتكبّر،

ولم يظلم،

ولم يَغترّ بزينةٍ عابرة،

بل سار خفيفًا، نقيّ اليد، مستقيم القلب،

يعلم أن ما سيبقى منه ليس اسمه ولا منصبه،

بل أثره عند الله.

عِشْ كما شئت، ولكن تذكّر أنك راحل.

وأحبِبْ كما شئت، ولكن لا تنسَ الفراق.

واعملْ ما شئت، فالحساب آتٍ لا محالة.

تلك ليست موعظة…

تلك حقيقة كبرى،

من فهمها نجا،

ومن تجاهلها… أفاق حين لا ينفع الإفاقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى