مقالات

عالم على حافة السقوط: حين يُصبح الحق بلا أنياب

بقلم الدكتور سامح فرج حموده.

في زمن اختلت فيه الموازين، وأصبح الحق مجرد شعار بلا أنياب، نعيش اليوم في عالم لا يحترم سوى صوت الرصاص وسطوة المال، عالم لا يرى إلا بمنظار المصالح، ولا يسمع إلا صدى القوة، أما الضعفاء فليحملوا آلامهم ويصمتوا!

منظمات تُنصِّب نفسها وصية على القيم الإنسانية، تتحدث عن السلام، وتبكي أمام الكاميرات لأجل حقوق الإنسان، بينما تغض الطرف عمداً عن أطفال تُزهَق أرواحهم، وأراضٍ تُغتصَب، وقرى تُباد، لا لشيء سوى أن أصحابها لا يملكون صوتاً مسموعاً أو حليفاً قوياً.

تقارير المنظمات الدولية تُظهر تناقضًا فاضحًا: أكثر من 38 قرارًا صادرًا عن مجلس الأمن بشأن الاحتلال الإسرائيلي، أغلبها وُئدت قبل أن يجفّ حبرها، بينما تُشَنّ حروب كاملة بناءً على اتهامات غير مؤكدة لدول ضعيفة.

القوي عندهم لا يُحاسب، والضعيف يُدان حتى بصمته، والغرب رغم شعاراته لا يرى الجرائم إلا حين تمس مصالحه أو تُهدد امتيازاته، والنتيجة: ضحايا بالملايين، وخراب يمتد من غزة إلى السودان، ومن اليمن إلى سوريا.

وصف المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي هذا الواقع بقوله: “الولايات المتحدة لا تبحث عن السلام، بل عن السيطرة، وهي مستعدة للتضحية بأي قيمة أخلاقية من أجل ذلك.”

مواثيق دولية كُتب عليها “حقوق الإنسان”، لكنها في الحقيقة سيوف مُسلّطة على رقاب المستضعفين. أُقرّت لتحمي من يملك السلاح، لا من يملك الحق. ولا عجب أن نرى بعض الدول تتغنّى بالديمقراطية وهي تُسلّح المحتل وتبرر المجازر.

قال الله تعالى: “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين” (النساء: 75). فهذه ليست دعوة للعنف، بل واجب أخلاقي في وجه الظلم، وقد شُرع الجهاد لرفع الظلم وحماية الأرواح، لا لسفك الدماء، الجهاد في الإسلام هو دفاع مشروع، لا عدوان غاشم.

اليوم، تُرتكب المجازر على الهواء مباشرة، بينما يكتفي العالم بالشجب والإدانة، صمتٌ مدوٍّ يشبه التواطؤ، وتغافلٌ يبدو أقرب إلى الخيانة، ربما آن الأوان أن ندرك أن الحق الذي لا تحميه القوة مصيره الإهمال والدهس، وأن الصمت في زمن القهر ليس حكمة بل شراكة في الجريمة.

في عالم كهذا، لا يملك المظلوم ترف الانتظار، ولا خيار التردد، فإما أن نكون في صف العدل ولو بالكلمة والموقف أو نكون مع الزيف وإن لبس ثوب الإنسانية.

التاريخ لا يرحم، والكرامة لا تُستجدى… بل تُنتزع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى