مقالات

صرف معاشات ديسمبر… هل تكفي الزيادة الجديدة لإنقاذ ملايين الأسر من ضغط المعيشة؟

✒️ تحقيق بقلم الدكتور سامح فرج حموده،باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.

في الساعات الأولى من صباح الأول من ديسمبر 2025 بدأ ملايين من أصحاب المعاشات التوافد على ماكينات الصرف ومكاتب البريد للحصول على معاشاتهم، وهي الدفعة الأولى التي تُصرف بعد الزيادة الجديدة التي أعلنت عنها الجهات المختصة. لحظة انتظرها أكثر من أحد عشر مليون مواطن يمثلون شريحة واسعة من كبار السن وأسر تعتمد اعتماداً شبه كامل على هذا الدخل الشهري في مواجهة موجة الأسعار المتصاعدة التي لم تترك مساحة لالتقاط الأنفاس.

ورغم أن المشهد بدا من الخارج منضبطاً وهادئاً، فإن السؤال الذي يملأ الشارع لا يزال معلقاً فوق الجميع: هل تكفي هذه الزيادة لتغيير واقع حياة أصحاب المعاشات؟ كثيرون يشعرون أن الزيادة تُصرف في الصباح وتتبخر قبل حلول المساء، فالاحتياجات الأساسية أصبحت تلتهم الجزء الأكبر من الدخل، والدواء وحده بات عبئاً ثقيلاً لا يستطيع أغلب المتقاعدين مقاومته. وبينما يصرف البعض معاشاً بالكاد يغطي النفقات العلاجية، يكافح آخرون للحفاظ على إيجار المنزل أو توفير الطعام اليومي، لتصبح رحلة الصرف مجرد محطة قصيرة قبل العودة مجدداً إلى دائرة القلق.

ورغم الترحيب بالزيادة الجديدة، تبدو على الأرض فجوة واسعة بين ما يحصل عليه المواطن وما يحتاجه فعلياً ليعيش بكرامة. ارتفاع تكاليف العلاج يجعل نصف المعاش يختفي قبل نهاية الأسبوع، وباقي المصروفات الأساسية مثل الإيجارات والسلع الغذائية تضغط على ما تبقى من الدخل إلى حد يجعل الكثيرين يعيشون على المساعدات أو دعم الأبناء.
وفي القرى والمناطق الشعبية تتضاعف المعاناة بسبب ضعف الوعي التكنولوجي، حيث لا تزال شريحة كبيرة غير قادرة على استخدام ماكينات الصرف أو المحافظ الإلكترونية، مما يجبرهم على الاصطفاف في طوابير طويلة أو الاعتماد على أشخاص قد يستغلون حاجتهم للمساعدة.

وتشير التحليلات الاجتماعية إلى أن المعاش في مصر لم يعد مجرد دخل لما بعد سنوات الوظيفة، بل أصبح شبكة الأمان الأخيرة لشريحة واسعة من المواطنين.
ومع ذلك تظل الزيادة الحالية محدودة التأثير إذا لم يتم ربطها بمعدلات التضخم الحقيقي الذي يتغير كل بضعة أشهر.
الدخل ثابت بينما الأسعار تتحرك بلا توقف، وهو وضع يخلق حالة من الضغط النفسي والاجتماعي على المتقاعدين وأسرهم، ويفتح الباب لمظاهر اقتصادية خطيرة تبدأ بالاستدانة وتنتهي بالحرمان من الاحتياجات الأساسية.

ويجمع المتخصصون على أن الحل لا يمكن أن يقتصر على زيادات موسمية، بل يجب أن يكون جزءاً من إصلاح شامل لنظام الحماية الاجتماعية، يشمل زيادة متدرجة للمعاشات وفق معدل التضخم، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، وتوفير نظام صرف يراعي كبار السن، وخاصة الذين يعانون من أمراض مزمنة أو عدم القدرة على الحركة. فالمعاش يجب أن يكون وسيلة لحياة كريمة، لا مجرد محاولة يومية للبقاء.

وفي النهاية يبقى صرف معاشات ديسمبر خطوة إيجابية لكنها غير كافية لحل الأزمة.
فخلف كل ماكينة صرف، وفي كل طابور يقف فيه كبار السن، تختبئ قصص طويلة من الكفاح، ووجوه تحمل على ملامحها إرث سنوات من العمل والعطاء.
هؤلاء لا ينتظرون مجاملة ولا وعوداً، بل ينتظرون واقعاً يستطيعون العيش فيه دون خوف من اليوم التالي.
والسؤال الحقيقي الذي يظل مطروحاً هو: هل تكفي الزيادة لإنقاذ ملايين الأسر؟ أم أننا أمام قضية أكبر تحتاج إلى رؤية أعمق وإصلاح جاد يضع كرامة الإنسان في قلب السياسات الاجتماعية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى