بقلم مستشار محمود السنكري
تولد البدايات دائمًا كأنها هديةُ عالمٍ يعرف هشاشتنا.
تأتي على استحياء… ناعمةً مثل قطرة ندى، ودافئةً مثل يدٍ تمسّد خوفنا الأول.
في اللحظات التي نخطو فيها نحو شيءٍ جديد .. شخص، علاقة، حلم،
يكون الكون كريمًا معنا، يخفف عنا وطأة الجهل بالمصير، ويمنحنا فسحة صغيرة نصدق فيها أن الطريق كله سيظلّ برقة أول خطوة.
في البدايات، يلمع كل شيء.
الكلمات أكثر صدقًا مما تبدو، والقلوب أكثر استعدادًا للعطاء، والظنون أقل شراسة.
البدايات تنسج حولنا خيطًا حريريًا يجعلنا نتعلق بشيء من الأمل، وكأن الحياة تقول لنا: تجرّأ… فما زالت الصفحة بيضاء.
ومع مرور الوقت، يتغير النسيج…
فالعلاقات الإنسانية مهما كان نوعها تبدأ بريئة، مزهوة بلطفٍ لا يلبث أن يخضع لاختبار التفاصيل.
نتقدم خطوة بعد أخرى لتتكشف أمامنا طبقات البشر: من يزداد دفئه مع الأيام، ومن كان دفؤه لحظة عابرة.
بعض العلاقات تنضج مثل ثمرة تعرف موعدها، تتصلب دون أن تتشقق، وتزداد رسوخًا كلما عصفت بها الرياح.
وأخرى تتهاوى عند أول ريح، لأنها كانت تقوم على نعومةٍ سطحية، لا على جذورٍ حقيقية.
أما العلاقات العاطفية…
فحكايتها تبدأ غالبًا بخفقة قلبٍ لا تعرف الحكمة طريقًا إليه.
البدايات فيها ليست فقط ناعمة، بل محمّلة بسحرٍ طفولي: ضحكة تمتدّ أكثر مما يجب، لهفة تشبه انفتاح نافذةٍ على ربيع جديد.
نُحبّ لأن البداية تُشعرنا أن العالم يتسع، وأن الحياة قد تُعيد تشكيل نفسها لأجل شخصٍ واحد.
لكن منتصف الطريق يكشف ما لا تقوله اللذة الأولى: اختلافات صغيرة تكبر، وصمتٌ لا نتقنه، وحقائق لم نفكّر يومًا في وزنها.
هنا تبدأ العاطفة في التحوّل من نعومة الحلم إلى واقعية الامتحان…
فمن كان حبّه صادقًا يتماسك، ومن كان يعيش على وقع الانبهار يبهت.
ثم تأتي النهايات…
أحيانًا لامعة كذهبٍ صُقل بالصبر.
نهايات هادئة، تليق ببدايات نبيلة ونقاءٍ لم تخدشه الأيام.
قد تنتهي علاقة صداقة بامتنان، وتنتهي علاقة حبّ باحترام، وكأن الودّ يلوّح من بعيد قائلًا: لقد كنا جميلين بما يكفي، حتى حين افترقنا.
هذه النهايات، رغم ألمها، تترك في الروح ضوءًا يشبه نور الشمعة التي تنطفئ آخر لحظة لكنها تُضيء المكان لثانية إضافية.
وفي المقابل…
هناك نهايات تأتينا كصفعة لا نتوقعها.
نهايات قاسية، مُباغتة، لا تراعي ما بنيناه من أحلام ولا ما منحناه من طيبة.
تنتهي علاقةٌ إنسانية بخذلانٍ واحد، وتنتهي علاقةٌ عاطفية بكلمة تهدم ما لم تهدمه شهورٌ من الحنان.
هذه النهايات تُربكنا، وتعيد صياغة رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين، وتعلّمنا أن النعومة لم تكن وعدًا دائمًا… بل مرحلة ضرورية كي نجرؤ على البداية.
ورغم كل شيء… يعود الإنسان.
يعود ليفتح بابًا جديدًا ولو بيدٍ مرتعشة.
يعود ليحبّ، رغم أن قلبه يعرف الآن أن النهايات ليست دائمًا لامعة.
يعود ليتقرب من الناس، رغم أن ذاكرته لم تنسَ صدمة الفراق.
لأن في الإنسان سرًا قديمًا:
أنه خُلق ليبدأ، مهما توالت النهايات.
وهكذا…
نعيش بين بدايةٍ تهدهدنا، ونهايةٍ تختبرنا، ومحطةٍ بينهما تُعيد تشكيلنا.
ندخل البدايات بنعومة، ونخرج من النهايات بحكمة، ونبقى في المنتصف نتعلّم كيف نكون بشرًا..نخطئ، نحب، نُخذل، ننضج، ثم نبدأ من جديد.
فالحياة ليست سلسلة من النهايات…
بل سلسلة من الجرأة على أن نبدأ.