بقلم:
د/ أسماء نوير
بكل حب وامتنان، وبقلبٍ يعترف قبل القلم، أكتب هذه الكلمات لا بوصفها شكرًا عابرًا، بل شهادة حياة، واعترافًا علنيًا بفضلٍ لا يُقاس، وديْنٍ لا يُسدَّد، واسمٍ واحدٍ يتقدّم كل الأسماء: أمّي.
لم تكن أمّي مجرد امرأة منحتني الحياة، بل كانت الحياة حين ضاقت، والمعنى حين التبس، والطريق حين تاهت الخطوات. كانت الأب حين اشتدّ الحمل، والأم حين احتاج القلب إلى الحنان، والأخت التي تفهم دون شرح، والصديقة التي تصغي بلا حكم. في حضورها كان العالم أقل قسوة، وكان السقوط مؤقتًا، والنهوض ممكنًا دومًا.

لم تقف أمّي يومًا على هامش رحلتي، بل كانت جوهرها. حملت عنّي ما لم تره العيون، وسهرت على أحلامي حين بدت بعيدة، وربطت على قلبي كلما انكسر، دون أن تطلب شكرًا أو اعترافًا. كانت السند الذي لا يميل، والأمان الذي لا يخون، والملجأ الذي أعود إليه كلما أثقلني التعب أو خذلتني الطرق.
كبرتُ، وكبرت معي أحلامي، لكنها ظلت أكبر من الحلم وأعمق من الطموح. كانت تؤمن أن لكل تعب نهاية، ولكل صبر ثمرة، وأن الاجتهاد لا يضيع وإن طال الطريق. لم تكن كلماتها تشجيعًا عابرًا، بل يقينًا أستند إليه وأنا أمضي.
وكان حلم الدكتوراه من أكثر أحلامها التصاقًا بروحها؛ لم ترَه مجرد درجة علمية، بل انتصارًا للإرادة ودليلًا على أن الدعاء الصادق لا يُرد. وحين نُودي باسمي مقرونًا بها، أدركت أن الفرحة الحقيقية كانت لها قبل الجميع، وأنني لم أحقق إنجازًا شخصيًا بقدر ما وفيتُ بجزءٍ من حلمٍ سكن قلبها طويلًا.
اليوم، وأنا أكتب، أعلم يقينًا أن اللغة ـ مهما بلغت ـ تعجز عن ردّ الجميل، وأن الحروف تبقى أقلّ شأنًا من أن تفي امرأة لم تكتفِ بأن تُنجب إنسانة، بل أعادت تشكيلها بالصبر والإيمان والاحتمال الطويل. أكتب لأن الاعتراف فضيلة، ولأن الفضل حين يُقال يضيء.
لهذا أكتب، لا لأردّ الجميل ـ فذلك محال ـ بل لأعلن أن هذه الحكاية لم تبدأ بي، وأن ما صرتُ إليه لم يكن صدفة، بل ثمرة امرأة عظيمة، تستحق أن يُكتب اسمها في صدر الحكاية، واضحًا، مضيئًا، وغير قابلٍ للنسيان.
زر الذهاب إلى الأعلى